وأما ما ذكره رافع بن خديج أن الرسول - صلى الله عليه وسلم نهى عنها فقد رده زيد بن ثابت رضي الله عنه وأخبر أن النهي كان لفض النزاع, فقال: يغفر الله لرافع بن خديج، وأنا والله أعلم بالحديث منه، إنما جاء للنبي - صلى الله عليه وسلم رجلان من الأنصار قد اقتتلا فقال: إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع، فسمع رافع قوله: فلا تكروا المزارع. رواه أبو داود والنسائي.
كما رده ابن عباس رضي الله عنه وبين أن النهي إنما كان من أجل إرشادهم إلى ماهو خير لهم فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم لم يحرم المزارعة، ولكن أمر أن يرفق الناس بعضهم ببعض بقوله:"من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه"والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع (6390) .
وعن عمر بن دينار رضي الله عنه قال: سمعت ابن عمر يقول: ما كنا نرى بالمزارعة بأسًا، حتى سمعت رافع بن خديج يقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم نهى عنها، فذكرته لطاوس فقال: قال لي أعلمهم (يقصد ابن عباس) إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها ولكن قال:"لئن يمنح أحدكم أرضه خير من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا"رواه الخمسة، وصححه الألباني في صحيح
الجامع (4926) .
تجوز المزارعة بالنقد مما يُعد مالًا كالذهب والفضة.
فعن حنظلة بن قيس رضي الله عنه قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض فقال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم عنه، فقلت: بالذهب والورق؟ فقال: أما بالذهب والورق فلا بأس به. رواه الخمسة إلا الترمذي.
وهذا مذهب أحمد وبعض المالكية والشافعية. قال النووي: وهذا هو الراجح المختار من كل الأقوال.
المزارعة الفاسدة:
سبق أن قلنا أن المزارعة الصحيحة هي إعطاء الأرض لمن يزرعها على أن يكون له نصيب مما يخرج منها كالثلث والربع من ذلك أي أن يكون نصيبه غير مُعين، فإن كان نصيبه معينًا بأن يُحدِّد مقدارًا معينًا مما تخرج الأرض، أو يحدد قدرًا معينًا من مساحة الأرض تكون غلتها له، والباقي يكون للعامل أو أن يشتركا فيه، فإن المزارعة في هذه الحالة تكون فاسدة لما فيها من الغرر ولأنها تُفضي إلى النزاع.
روى البخاري عن رافع بن خديج قال:
"كنا أكثر أهل الأرض (أي المدينة) مزروعًا، كنا نكري الأرض بالناحية منا تسمى لسيد الأرض، فربما يصاب ذلك وتسلم الأرض، وربما تصاب الأرض ويسلم ذلك فنُهينا".
معناه: إحياء الموات معناه إعداد الأرض الميتة التي لم يسبق تعميرها وتهيئتها وجعلها صالحة للانتفاع بها في السكنى والزرع ونحو ذلك.
الدعوة إليه: والإسلام يحب أن يتوسع الناس في العمران وينتشروا في الأرض ويحيوا مواتها، فتكثر ثرواتهم ويتوفر لهم الثراء والرخاء، وبذلك تتحقق لهم الثروة والقوة، وهو لذلك يحبب إلى أهله أن يعمدوا إلى الأرض الميتة ليحييوا مواتها ويستثمروا خيراتها وينتفعوا ببركاتها.
فيقول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"من أحيا أرضًا ميتة فهي له". رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: إنه حسن، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5851) .
وقال - صلى الله عليه وسلم:"من أحيا أرضًا ميتة فله فيها أجر، وما أكله العوافي فهو له صدقة"رواه النسائي، وصححه ابن حبان، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5850) .
وعن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:"من أحاط حائطًا على أرض فهي له"رواه أبو داود وغيره وصححه الألباني في صحيح الجامع (5828) .