فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 503

ألم يسمعوا قول الله تبارك وتعالى:"ولا تَدْعُ من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، فإن فعلت فإنك إذًا من الظالمين * وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يُردك بخير فلا رادّ لفضله، يصيب به من يشاء من عباده، وهو الغفور الرحيم"يونس"106، 107".

يا حسرة على هؤلاء المشايخ، لقد كان المفروض أنْ يكونوا دعاة لجميع الناس إلى دين التوحيد، وسببًا لإنقاذهم من الوثنية وأدرانها، والذي نصل إليه، إما أن يكون هؤلاء المشايخ مثلهم في الضلال، وفاقد الشيء لا يُعطيه، وإما أنهم يدارون بل يداهنونهم كي لا يوصموا ببعض الوصْمات التي تقضي على وظائفهم، ومعاشاتهم غير مُبالين بقول الحق تبارك وتعالى:"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهُدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون"سورة البقرة 159.

ولقد ذكرنا فيما سبق أن النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن الغاية، فينتج من ذلك أن الصلاة في هذه المساجد المبنية على القبور منهي عنها، والنهي في مثل هذا الموضع يقتضي البطلان وقد قال ببطلان الصلاة فيها الإمام أحمد وغيره، ولكننا نرى أن المسألة تحتاج إلى تفصيل فأقول:?والكلام هنا للألباني حفظه الله تعالى?.

إن للمصلى في المساجد المذكورة حالتين:

الأولى: أن يقصد الصلاة فيها من أجل القبور والتبرك بها كما يفعله كثير من العامة وغير قليل من الخاصة.

الثانية: أن يصلي فيها اتفاقًا لا قصدًا للقبر.

ففي الحالة الأولى لا شك في تحريم الصلاة فيها بل في بطلانها، وأما في الحالة الثانية: فلا يتبين لي الحكم ببطلان الصلاة فيها، وإنما الكراهة فقط، لأن القول ببطلان الصلاة في هذه الحالة لابد له من دليل خاص ولعل هذا هو السبب في ذهاب الجمهور إلى الكراهة دون البطلان أقول هذا معترفًا بأن الموضوع يحتاج إلى مزيد من التحقيق وأن القول بالبطلان محتمل، فمن كان عنده علم في شيء من ذلك فليتفضل ببيانه مع الدليل مشكورًا وأما القول بكراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور فهذا أقل ما يُمكن أن يقوله الباحث وذلك لأمرين:

الأول: أن في الصلاة فيها تشبيهًا باليهود والنصارى الذين كانوا ولا يزالون يقصدون التعبد في تلك المساجد المبنية على القبور.

الثاني: أن الصلاة فيها ذريعة لتعظيم المقبور فيها تعظيمًا خارجًا عن حد الشرع، فينهى عنها احتياطًا وسدًا للذريعة، لا سيما ومفاسد المساجد المبنية على القبور ماثلة للعيان، واعلم أن كراهية الصلاة في هذه المساجد هو أمر متفق عليه بين العلماء، وإنما اختلفوا في بطلانها، وظاهر مذهب الحنابلة أنها لا تصح، وبه جزم المحقق ابن القيم وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في"اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص 159"فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين، وتُكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك ولأجل أحاديث أُخر"."

واعلم أن الصلاة في المساجد المبنية على القبور مكروهة سواء كان القبر أمامه أو خلفه، يمينه أو يساره، فالصلاة فيها مكروهة على كل حال، ولكن الكراهة تشتد إذا كانت الصلاة إلى القبر، لأنه في هذه الحالة ارتكب المصلي مخالفتين الأولى في الصلاة في هذه المساجد، والأخرى الصلاة إلى القبر، وهي منهي عنها سواء كان في المسجد أو غير المسجد بالنص الصريح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم"لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها"رواه مسلم وغيره.

وقد جاء في الكوكب الدري على جامع الترمذي للشيخ المحقق محمد يحيى الكاندهلوي الحنفي ما نصه (ص 153) :"وأما اتخاذ المساجد عليها فلما فيه من التشبه باليهود واتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم وكبرائهم، ولما فيه من تعظيم الميت وشَبَهٍ بعَبَدةِ الأصنام، ولو كان القبر في جانب القبلة، وكراهة كونه في جانب القبلة أكثر من كراهة كونه يمينًا ويسارًا، وإن كان خلف المصلى فهو أخف من كل ذلك، لكن لا يخلو عن كراهة".

ثم اعلم أن الحُكم السابق يشمل كل المساجد كبيرها وصغيرها قديمها وحديثها لعموم الأدلة، فلا يستثنى من ذلك مسجد فيه قبر إلا المسجد النبوي لأن له فضيلة خاصة لا توجد في شيء من المساجد المبنية على القبور وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم"صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام فإنه أفضل"أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت