نعم إن الإسلام شرع عقوبة قطع يد السارق، وهي عقوبة صارمة، ولكنه أَمَّنَ الناس على أموالهم وأرواحهم، فهذه اليد الخائنة التي قطعت إنما هي عضو أشل تأصل فيها الداء والمرض، وليس من المصلحة أن نتركها حتى يسري المرض إلى سائر الجسم، ولكن من الرحمة أن نبترها ليسلم سائر الجسد، ويد واحدة تقطع كفيلة بردع المفسدين وكف العدوان عن الآمنين، لا أن نضعهم في سجن حكومي آكلين شاربين نائمين فأين تشريع هؤلاء المفسدين من تشريع الحكيم العليم الذي قال في مُحكم التنزيل"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم" (المائدة 38) .
فقدم تبارك وتعالى هنا السارق على السارقة وأما في آية الزنا فقدم الزانية على الزاني"والزانية والزاني فاجلدوا"والسر في ذلك والله أعلم وأحكم أن الرجل على السرقة أجرأ وأن الزنى من المرأة أقبح وأشنع فناسب كلًا منهما المقام.
والسرقة في اللغة: هي أخذ المال في خفاء وحيلة.
وأما في عرف الشرع: فهي أخذ العاقل البالغ مقدارًا مخصوصًا من مال الغير خُفية من حرز معلوم بدون حق ولا شُبهة.
1.أن يكون السارق مكلفًا عاقلًا بالغًا لقوله - صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، والنائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يُفيق".
2.أن لا يكون السارق والدًا لصاحب المال المسروق ولا ولدًا ولا زوجًا ولا زوجة لما لكل منهما من حقوق في ماله لما جاء في الأحاديث الصحيحة"أنت ومالك لأبيك"صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته، وقوله - صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة:"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
3.أن لا يكون للسارق شبهة مِلْكٍ في المال المسروق بأي أوجه الشبه، كمن سرق رهنه من المرتهن عنده أو كمن سرق أجرته من المستأجر عنده.
4.أن يكون المال المسروق مباحًا لا خمرًا أو مزمارًا مثلًا وأن يكون بالغًا ربع دينار فصاعدًا لقوله - صلى الله عليه وسلم:"لا تُقطَع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا"رواه مسلم.
5.أن يكون المال المسروق في حرز كدار أو دكان أو حظيرة أو صندوق ونحو ذلك مما يُعتبر حرزًا.
6.أن لا يكون المال المسروق قد أُخذ على سبيل الخيانة أو الخلسة أو الغصب لقوله - صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع"صححه الألباني في صحيح الجامع، وهؤلاء الثلاثة (الخائن والمنتهب والمختلس) ترفع أمورهم إلى الحاكم ويسوغ للحاكم أن يكف عدوانهم بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال، ولا تقطع أيديهم.
-الخائن: هو الذي يأخذ المال من مالكه ويظهر له النصح.
-المختلس: هو الذي يخطف المال من يدي صاحبه ويفر هاربًا.
-المنتهب: (المغتصب) وهو من أخذ المال غصبًا من صاحبه على وجه الغلبة والقوة ويعتبره غنيمة.
ما يجب على السارق:
يجب على السارق بعد إدانته حقان:
1.ضمان المال المسروق إن كان بيده، أو كان موسرًا، وإن تلف المال المسروق فهو في ذمته لمن سرقه منه.
2.القطع، كحق لله تعالى، إذ الحدود محارم الله تعالى، وإذا لم يجب القطع لعدم توفر شروطه، فضمان المال لازم لصاحبه قليلًا كان أو كثيرًا وسواء كان السارق موسرًا أو معسرًا.