فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 503

سقوط الحدود بالشبهات:

الحد عقوبة من العقوبات التي توقع ضررًا في جسد الجاني وسُمعته، ولا يحل استباحة حرمة أحد، أو إيلامه إلا بالحق، ولا يثبت هذا الحق إلا بالدليل الذي لا يتطرق إليه الشك، فإذا تطرق إليه الشك كان مانعًا من اليقين الذي تُبنى عليه الأحكام.

ومن أجل هذا كانت التهم والشكوك لا عبرة لها ولا اعتداد بها، لأنها مظنة الخطأ. وقد صح موقوفًا على ابن مسعود"ادرؤوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم"أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وهو حسن الإسناد كما قال الألباني في الإرواء.

اتفق الفقهاء على أن الحاكم أو من ينيبه عنه هو الذي يُقيم الحدود، وأنه ليس للأفراد أن يتولوا هذا العمل من تلقاء أنفسهم.

ولذلك لا ينبغي لأحد أن يُقيم شيئًا من الحدود دون السُلطان، إلا أن للرجل أن يُقيم حد الزنا على عبده أو أمته. فقد ذهب جماعة من السلف، منهم الشافعي إلى أن السيد يُقيم الحد على مملوكه، واستدلوا بما ورد عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن خادمة للنبي - صلى الله عليه وسلم أحدثت، فأمرني النبي - صلى الله عليه وسلم أن أقيم عليها الحد، فأتيتها فوجدتها لم تجف من دمها فأتيته فأخبرته، فقال:"إذا جفت من دمها فأقم عليها الحد، أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم". رواه أحمد وأبو داود، ومسلم، والبيهقي، والحاكم.

مشروعية التستر في الحدود:

قد يكون ستر العصاة علاجًا ناجعًا للذين تورطوا في الجرائم واقترفوا المآثم، وقد ينهضون بعد ارتكابها فيتوبون توبة نصوحًا، ويستأنفون حياة نظيفة، لهذا شرع الإسلام التستر على المتورطين في الآثام، وعدم التعجيل بكشف أمرهم.

عن سعيد بن المسيب قال: بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أسلم يُقال له هَزَّال، وقد جاء يشكو رجلًا بالزنا، وذلك قبل أن ينزل قوله تعالى:"والذين يرمون المُحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شُهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة"."يا هزَّال"لو سترته بردائك كان خيرًا لك"صححه الألباني في صحيح الجامع."

قال يحيى بن سعيد: فحدثت بهذا الحديث في مجلس فيه يزيد بن نعيم بن هزَّال الأسلمي، فقال يزيد:"هزال جدي, هذا الحديث حق".

هذا بالنسبة إلى من لم يعتد الزنا ولم يتهتك به، أما إذا وصل الحال إلى إشاعته والتهتك به، فيجب كون الشهادة به أولى من تركها، لأن مطلوب الشارع إخلاء الأرض من المعاصي والفواحش، وذلك يتحقق بالتوبة من الفاعلين، وبالزجر لهم وإقامة الحدود عليهم.

الحدود كفارة للآثام:

يرى أكثر العُلماء أن الحدود إذا اقيمت كانت مكفرة لما اقترف من آثام، وأنه لا يُعذب في الآخرة. لما رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال:"تبايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه".وإقامة الحد وإن كانت مكفرة للآثام، فإنها مع ذلك زاجرة عن اقترافها، فهي جوابر وزواجر معًا.

إقامة الحدود في دار الحرب:

ذهب فريق من العلماء إلى أن الحدود تُقام في دار الحرب كما تُقام في دار الإسلام دون تفرقة بينهما، لأن الأمر بإقامتها عام لم يخص دارًا دون دار.

هذا وقد ذهب أحمد وإسحق بن راهويه والأوزاعي، وغيرهم من علماء المسلمين على أن الحدود لا تُقام في أرض العدو، وعليه إجماع الصحابة إذ أن إقامة الحدود في دار الحرب قد تحمل المحدود على الالتحاق بالكفر وهذا هو الراجح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت