بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يَهده الله فهو المهتدي، ومن يُضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، - صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه، وسلم تسليمًا كثيرًا .. أما بعد:
لقد شغلتني فكرة جمع كتاب فقهي يكون مشفوعًا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسُّنّة الثابتة الصحيحة بعيدًا عن التقليد الأعمى والجمود على أقوال العلماء منذ ما يقرب من ثلاثة عشر عامًا، وقد شحذ همتي منذ ذلك الوقت على هذه الرحلة الشاقة أن رأت زوجتي حفظها الله تعالى في المنام أنني أرسم خطوات النبي - صلى الله عليه وسلم، وأُميّزها من بين كثير من الخطوات، فاستعنت بالله تعالى، وأسهرت ليلي وقضيت الساعات الطوال من نهاري في جمع كتابي هذا من كتب السابقين واللاحقين، وأسميته"الطريق السّويّ في اقتفاء أثر النبيّ - صلى الله عليه وسلم".
وزاد من ثقتي بهذا الاسم أن أراني الله تعالى رؤيا منامية أنطقني فيها بهذا الاسم الذي انشرح له صدري واطمأن إليه فؤادي، وقرت به عيني.
وقد حرصت كلّ الحرص أن أعرض هذا الكتاب في يُسرٍ وسهولة وبسط واستيعاب لكثير مما يحتاج إليه المُسلم في العبادات والمعاملات، ونظام الأسرة، وأحكام الحدود والجنايات، والحرب والسلم، والفرائض، والحكومات، والخصومات، مع تجنب ذكر الخلاف إلا إذا وُجد ما يُسَوِّغُ ذكره، فأشير إليه، خصوصًا في هذه الفترة التي فترت فيها همم الناس وتحركت منهم غريزة المحاكاة، فاكتفى كل جماعة منهم بمذهب معين ينظر فيه، ويُعَوّل عليه ويتعصب له، ويبذل كلّ ما أوتي من قوة في نصرته وينزل قول إمامه منزلة قول الشارع، ولا يستجيز لنفسه أن يُفتي في مسألة بما يخالف ما استنبطه إمامه، وقد بلغ الغلو في الثقة بهؤلاء الأئمة حتى قال الكرخي"كل آية أو حديث يُخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ"، وبالتقليد والتعصب للمذاهب فقدت الأمة الهداية بالكتاب والسُّنّة، وصارت الشريعة هي أقوال العُلماء، وأقوال العُلماء هي الشريعة.
والتمذهب: وهو أن يُلزم الشخص نفسه بمذهب فقهي مُعين يختاره هو ويتفقه فيه، والقول بوجوب التمذهب بأحد المذاهب الأربعة مبني على إغلاق باب الاجتهاد وهو مما لا دليل عليه لأنه باب فتحه الله عز وجل فلا يجوز إغلاقه إلا بنص من الكتاب والسُّنّة، والنصوص الشرعية الصحيحة تؤكد استمرار الاجتهاد إلى يوم القيامة. قال - صلى الله عليه وسلم"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يُجدد لها دينها"صحيح، أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي والخطيب.
والتمذهب تقليد، والتقليد هو ديدن عوام المسلمين وجهالهم، صرح بذلك أئمة العلم والعمل من أهل الحق في هذه الأمة كقول الطحاوي"لا يُقلد إلا جاهل أو غبي"وقول السيوطي"إن المقلد لا يُسمى عالمًا"وجزم به الشوكاني"أن التقليد جهل وليس بعلم"وقال ابن القيم"لا يجوز الفتوى بالتقليد، لأنه ليس بعلم، والفتوى بغير علم حرام، ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم، وأن المقلد لا يُطلق عليه اسم عالم"أعلام الموقعين لابن القيم (1/ 51) .
وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم بل أمروا تلامذتهم بالبحث عن أدلتهم ومدى صحتها، فإن تبين لهم ضعفها أو خطأها فليتمسكوا بسُنة الرسول - صلى الله عليه وسلم وليعضوا عليها بالنواجذ، وهذا من علمهم وتقواهم رحمهم الله جميعًا حيث أشاروا أنهم لم يحيطوا بالسُّنّة كلها"وفوق كل ذي علم عليم" (يوسُف آية 76) .
يقول الإمام أبو حنيفة:"لا يحل لأحد أن يأخذ قولنا ما لم يعلم من أين أخذناه" (الانتقاء لابن عبد البر) .