الإمام مالك:"إنما أنا بشر أخطيء وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسُّنّة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسُّنّة فاتركوه" (أصول الأحكام 6/ 149 وإيقاظ الهمم ص 72) .
الإمام الشافعي:"إذا وجدتم في كتابي خلاف سُنة رسول الله، فقولوا بسنة رسول الله ودعوا ما قلت: (المجموع 1/ 63 وأعلام الموقعين) ."
الإمام أحمد: وهو أكثرهم جمعًا للسُنة وتمسكًا بها، وقد قال له الإمام الشافعي"أنت أعلم بالحديث مني فما صح عندك فأخبرنا به لنعمل بمقتضاه" (الانتقاء ص 75) .
وكان الإمام أحمد يقول"لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا"
(الإيقاظ ص 112) و (أعلام الموقعين 2/ 302) .
وقولنا بعدم جواز الالتزام بمذهب معين لا يعني أننا نلغي التقليد ونفرض الاجتهاد على كل مسلم، بل إن قولنا يتضمن أن من أتاه الله علمًا بالكتاب والسُّنّة وفهمًا لهما وقدرة على استنباط الأحكام الشرعية عليه أن يقتحم ميدان الاجتهاد ومن ليس عنده قدرة على استنباط الأحكام الشرعية وليس له قدرة على اقتحام ميدان الاجتهاد فعليه أن يأخذ بأقوال العلماء المجتهدين المرجحين الذين يملكون القدرة على تتبع الدليل الأقوى والحُجة الراجحة، وأن يأخذ أقوالهم مشفوعة بالأدلة الراجحة الصحيحة وأما الجاهل العامي فيجب عليه أن يُقلد مجتهدًا يثق في دينه وعلمه وإذا تبين له خطأ من يقلده فعليه اتباع الدليل.
إذن فمراتب المكلفين ثلاث: (مجتهد ومتبع ومقلد) ، وقد صرح بذلك أهل الاختصاص والعلم كالشاطبي في (الاعتصام 2/ 343) وابن عبد البر في (جامع بيان العلم 2/ 36) يقول رحمه الله:"حد العلم عند العلماء ما استيقنته وتبينته، وكل من استيقن شيئًا وتبينه فقد علمه، وعلى هذا من لم يستيقن الشيء وقال به تقليدًا فلم يعلمه، والتقليد عند جماعة من العلماء غير الاتِّباع لأن الاتِّباع هو أن تتبع القائل على ما بان لك من حجة قوله، والتقليد أن تقول بقوله وأنت لاتعرفه ولا وجه القول ولا معناه".
وهناك طائفة أخرى من الناس تتبع الرخص في المذاهب وتعمل بها بغض النظر عن صحتها وهؤلاء هم الملفقة الذين يأخذون بمبدأ التلفيق.
ولذلك فمراتب المكلفين في نظري أربع: (مُجتهد ومتبع ومقلد وملفق) .
وأخيرًا أقول: لقد حرصت كل الحرص أن يخرج هذا الكتاب الكثير المداخل والأبواب بأسلوب عملي سهل مشفوعًا بالأدلة النقلية الشرعية من الكتاب والسُّنّة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم، وأنا أعلم يقينًا أن مثلي لا يُعطي هذا الرُكن من الدين حقه لقلة البضاعة وسعة هذا الرُكن ولكنني بذلت جُهد المُقلِّ، واجتهدت أن أصل به إلى الصورة التي تليق به فإن أصبت فذلك ما أردت والفضل لله أولًا وأخيرًا وإن كانت الأخرى فاستغفر الله لذنبي، وحسبي أنني بذلت طاقتي ووضعت لبنة في طريق من يُريد إكمال البناء، وأسأل الله عز وجل أن يجعله بعد مماتي صدقة جارية وحسنة سارية يصلني من بركتها ما يزيد في نعيمي إن كنت من المُنعمين، وما يُخفف من عذابي إن كُنت من المُعذبين.
والله تعالى أسأل أن ينفع به من يقرؤه ويدرسه وأن لا يحرمني أجر ما بذلت فيه من جهدٍ، إنه نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور / عبد اللطيف بن خالد بن محمد آل موسى
رفح- قطاع غزة - فلسطين
24 / ذو القعدة / 1418 هـ.