قال أبو بكر بن العربي: وصدق، فإن ذلك لا يملكه أحد إذ قلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، يصرفه كيف يشاء، وكذلك الجماع فقد ينشط للواحدة ما لا ينشط للأخرى، فإذا لم يكن ذلك بقصد منه فلا حرج عليه فيه، فإنه مما لا يستطيعه، فلا يتعلق به تكليف.
وقالت عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل، ويقول:"اللهم هذا قِسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"قال أبو داود: يعني القلب وقال الألباني في مشكاة المصابيح إسناده جيد (3235) . والحديث رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الخطابي في هذا دلالة على توكيد وجوب القسم بين الضرائر الحرائر، وإنما المكروه في الميل، هو ميل العشرة الذي يكون معه بخس الحق، دون ميل القلوب، فإن القلوب لا تملك. فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم يسّوي في القسم بين نسائه ويقول:"اللهم هذا قسمي"الحديث.
وفي هذا نزل قوله تعالى:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة".
وإذا سافر الزوج فله أن يصطحب من شاء منهن وإن أقرع بينهن كان حسنًا.
ولصاحبة الحق في القسم أن تنزل عن حقها، إذ أن ذلك خالص حقها، فلها أن تهبه لغيرها.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة.
حق المرأة في اشتراط عدم التزوج عليها:
كما أن الإسلام قيد التعدد بالقدرة على العدل، وقصره على أربع، فقد جعل من حق المرأة أو وليها أن يشترط ألا يتزوج الرجل عليها. فلو شرطت الزوجة في عقد الزواج على زوجها ألا يتزوج عليها صح الشرط ولزم، وكان لها حق فسخ الزواج إذا لم يَفِ لها بالشرط، ولا يسقط حقها في الفسخ إلا إذا أسقطته، ورضيت بمخالفته.
وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، ورجحه ابن تيمية، وابن القيم وهو الحق الذي أتعبد الله به.
إذ الشروط في الزواج أكبر خطرًا منها في البيع والإجارة، ونحوهما، فلهذا يكون الوفاء بما التزم منها أوجب وآكد. واستدلوا لمذهبهم هذا بما يأتي:
1.بما رواه البخاري، ومسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال:"إن أحق الشروط أن تُوفوا به ما استحللتم به الفروج".
2.ورويا عن عبد الله بن أبي مُليكة أن المسور بن مخرمة حدثه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم على ا لمنبر يقول:"إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن يُنكحوا ابنتهم من عليّ بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن، ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يُطلق ابنتي، وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها"وفي رواية"إن فاطمة مني وأنا أتخوف أن تُفتن في دينها"ثم ذكر صهرًا من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه، فأحسن، وقال:"حدثنى فصدقني، ووعدنى فوفى لي، وإني لست أحرم حلالًا، ولا أحل حرامًا ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحد أبدًا".
قال ابن ا لقيم"فتضمن هذا الحكم أمورًا: أن الرجل إذا اشترط لزوجته أن لا يتزوج عليها لزمه الوفاء بالشرط، ومتى تزوج عليها فلها الفسخ."
ووجه تضمن الحديث لذلك أنه - صلى الله عليه وسلم أخبر أن ذلك يؤذي فاطمة رضي الله عنها، ويُريبها، وأنه يؤذيه - صلى الله عليه وسلم ويُريبه.
ومعلوم قطعًا أنه - صلى الله عليه وسلم إنما زوجه فاطمة رضي الله عنها على ألا يؤذيها، ولا يُريبها، ولا يؤذي أباها - صلى الله عليه وسلم ولا يُريبه، وإن لم يكن هذا مشروطًا في صلب العقد، فإنه من المعلوم بالضرورة أنه إنما دخل عليه.
وفي ذكره - صلى الله عليه وسلم صهره الآخر وثنائه عليه بأنه حدثه فصدقه ووعده فوفى له، تعريض بعليّ رضي الله عنه، وتهييج له على الاقتداء به، وهذا يشعر بأنه قد جرى منه وعد له بأنه لا يُريبها ولا يؤذيها، فهيجه على الوفاء له، كما وفى له صهره الآخر.
فيؤخذ من هذا أن المشروط عُرْفًا كالمشروط لفظًا)
القاعدة العامة في زواج غير المسلمين:"إقرار ما يوافق الشرع منها إذا أسلموا".