فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 503

حُكمها: وهي جائزة بالإجماع.

وقد ضارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم لخديجة - رضي الله عنها - بمالها وسافر به إلى الشام قبل أن يُبعث، وقد كان معمولًا بها في الجاهلية، ولما جاء الإسلام أقرها.

قال الحافظ بن حجر: والذي نقطع به أنها كانت ثابتة في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم يعلم بها وأقرها ولولا ذلك لما جازت البتة ...

وروى أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب رضي الله عنهم خرجا في جيش العراق فلما قفلا مرا على عامل لعمر، وهو أبو موسى الأشعري وهو أمير البصرة فرحب بهما وسهل، وقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى، ههنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكما فتبتاعان به متاعًا من متاع العراق ثم تبيعانه في المدينة وتوفران رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون لكما ربحه. فقالا: وددنا، ففعل، فكتب إلى عمر أن يأخذ منهما المال، فلما قدما وباعا وربحا، قال عمر: أكل الجيش قد أسلف كما أسلفكما؟

فقالا: لا. فقال عمر: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه.

فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين لو هلك المال ضمناه، فقال: أدياه، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا، فرضي عمر وأخذ رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال.

حكمتها: وقد شرعها الإسلام وأباحها تيسيرًا على الناس.

فقد يكون بعض منهم مالكًا للمال، ولكنه غير قادر على استثماره، وقد يكون هناك من لا يملك المال، لكنه يملك القدرة على استثماره، فأجاز الشارع هذه المعاملة لينتفع كل واحد منهما، فرب المال ينتفع بخبرة المضارب، والمضارب ينتفع بالمال، ويتحقق بهذا تعاون المال والعمل.

والله ما شرع العقود إلا لتحقيق المصالح ودفع الجوائح.

ركنها: وركنها الإيجاب والقبول الصادران ممن لهما أهلية التعاقد.

ولا يشترط لفظ معين، بل يتم العقد بكل ما يؤدي إلى معنى المضاربة، لأن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.

شروطها: ويُشترط في المضاربة الشروط الآتية:

1.أن يكون رأس المال نقدًا، فإن كان تِبْرًا أو حليًا أو عروضًا فإنها لا تصح. قال ابن المنذر:"أجمع كل من نحفظ عنه أنه لا يجوز أن يجعل الرجل دينًا له على رجل مضاربة"انتهى.

2.أن يكون معلومًا، كي يتميز رأس المال الذي يتجر فيه من الربح الذي يوزع بينهما حسب الاتفاق.

3.أن يكون الربح بين العامل وصاحب رأس المال معلومًا بالنسبة كالنصف، والثلث والربع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرجون منها، وذلك ثابت في الصحيح. وقال ابن المنذر:"أجمع كل من نحفظ عنه على إبطال القراض إذا جعل أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة"انتهى. وعلة ذلك أنه لو اشترط قدر معين لأحدهما فقد لا يكون الربح إلا هذا القدر، فيأخذه من اشترط له ولا يأخذ الآخر شيئًا، وهذا مخالف المقصود من عقد المضاربة الذي يُراد به نفع كل من المتعاقدين.

4.وقد ذهب الشافعي ومالك أن المضاربة يجب أن تكون مطلقة، فلا يقيد رب المال العامل بالاتجار في بلد معين أو في سلعة معينة، أو يتجر في وقت دون وقت، أو لا يتعامل إلا مع شخص بعينه، ونحو ذلك من الشروط، لأن ا شتراط التقييد كثيرًا ما يفوت المقصود من العقد، وهو الربح، فلابد من عدم اشتراطه، وإلا فسدت المضاربة.

أما أبو حنيفة وأحمد فلم يشترطا هذا الشرط وقالا:"إن المضاربة كما تصح مطلقة فإنها تجوز كذلك مقيدة" (الإفصاح ص 258) وفي حالة التقييد لا يجوز للعامل أن يتجاوز الشروط التي شرطها، فإن تعدى ضمن، وهذا هو الراجح عندي? فالمسلمون على شروطهم?.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت