والإكراه في التلفظ بكلمة الكفر لا يُخرج المسلم عن دينه مادام القلب مطمئنًا بالإيمان. وقد أكره عمار بن ياسر على التلفظ بكلمة الكفر فنطق بها، وأنزل الله سبحانه في ذلك:"من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أُكره وقلبه مطئمن بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرًا، فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم". [النحل 106] .
* التكفير من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسُّنّة فلا يجوز تكفير مسلم بقول أو فعل دون أن يدل دليل شرعي على ذلك، ولا يلزم من إطلاق حكم الكفر على قول أو فعل ثبوت موجبه في حق المعين إلا إذا تحققت الشروط، وانتفت الموانع والتكفير من أخطر الأحكام ولذلك يجب التثبت والحذر من تكفير المسلم.
وقد حذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم المسلمين من أن يقذف بعضهم بعضًا بالكفر، لعظم خطر هذه الجناية، فقال فيما أخرجه مسلم عن ابن عمر:"إذا كفّر الرجل أخاه، فقد باء بها أحداهما"وقال - صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم"أخرجه البخاري.
إن المسلم لا يُعتبر خارجًا على الإسلام ولا يحكم عليه بالردة إلا إذا انشرح صدره بالكفر، واطمأن قلبه به ودخل فيه بالفعل، لقول الله تعالى:"ولكن من شرح بالكفر صدرًا"ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى"ولما كان ما في القلب غيبًا من الغيوب التي لا يعلمها إلا الله، كان لابد من صدور ما يدل على كفره دلالة قطعية لا تحتمل التأويل، حتى نسب إلى الإمام مالك، أنه
قال:"من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهًا ويحتمل الإيمان على وجه، حُمِلَ أمره على الإيمان".
ومن الأمثلة الدالة على الكفر:
1.إنكار ما علم من الدين بالضرورة. مثل إنكار وحدانية الله وخلقه للعالم وإنكار وجود الملائكة، وإنكار نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم وأن القرآن وحي من الله وإنكار البعث والجزاء، وإنكار فرضية الصلاة والزكاة، والصيام والحج.
2.استباحة محرم أجمع المسلمون على تحريمه، كاستباحة الخمر، والزنا، والربا، وأكل الخنزير، واستحلال دماء المعصومين وأموالهم.
3.تحريم ما أجمع المسلمون على حله"كتحريم الطيبات".
4.سبُّ النبي أو الاستهزاء به، وكذا سب أي نبي من أنبياء الله.
5.سبُّ الدين، والطعن في الكتاب، والسُّنّة، وترك الحُكم بهما مع تفضيل القوانين الوضعية عليهما.
6.ادعاء فرد من الأفراد أن الوحي ينزل عليه.
7.إلقاء المصحف في القاذورات، وكذا كتب الحديث، استهانة بها واستخفافًا بما جاء فيها.
8.الاستخفاف باسم من أسماء الله، أو أمر من أوامره، أو نهي من نواهيه، أو وعد من وعوده، إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام، ولا يعرف أحكامه، ولا يعلم حدوده، فإنه إن أنكر شيئًا منها جهلًا به لم يكفر.
وفيه مسائل أجمع المسلمون عليها، ولكن لا يعلمها إلا الخاصة، فإن منكرها لا يُكفَّر، بل يكون معذورًا بجهله بها، لعدم استفاضة علمها في العامة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمدًا لا يرث، وأن للجدة السدس، ونحو ذلك. ولا يدخل في هذا الوساوس التي تساور النفس فإنها مما لا يؤاخذ الله بها.
فقد روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به"وروى مسلم عن أبي هريرة قال:"جاء أناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم فسألوه فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحُدنا أن يتكلم به! قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذلك صريح الإيمان"أي أنه صريح الإيمان هو الذي يمنعك من التحدث والعمل بما يمليه الشيطان عليك.
وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يزال الناس يتسائلون حتى يُقال: هذا خلق الله الخلق؟ فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا، فليقل آمنت بالله".