وإن احتاج الإنسان إلى الزواج وخشي العَنَتَ بتركه قدَّمه على الحج الواجب، وإن لم يخف قدَّم الحج عليه. وكذلك فروض الكفاية - كا لعلم والجهاد - تُقدَّمُ على الزواج إن لم يخشَ العنت.
الإعراض عن الزواج وسببه:
تبين مما تقدم أن الزواج ضرورة لا غنى عنها، وأنه لا يمنع منه إلا العجز أو الفجور كما قال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وأن الرهبانية ليست من الإسلام في شيء، وأن الإعراض عن الزواج يُفوِّت على الإنسان كثيرًا من المنافع والمزايا.
وكان هذا كافيًا في دفع الجماعة المُسلمة إلى العمل على تهيئة أسبابه وتوفير وسائله حتى ينعم به الرجال والنساء على السواء، ولكن على العكس من ذلك خرج كثير من الأُسَرِ عن سماحة الإسلام وسمو تعاليمه، فعقّدوا الزواج ووضعوا العقبات في طريقه، وخلّفوا بذلك التعقيد أزمة تَعرّضَ بسببها الرجال والنساء لآلام العزوبة وتَباريحها، والاستجابة
إلى العلاقات الطائشة والصلات الخليعة.
اختيار الزوجة:
الزوجة سكن للزوج، وحَرْثٌ له، وهي شريكة حياته، وربَّةُ بيته، وأم أولاده، ومَهْوى فؤاده، وموضع سِرِّه ونجواه، وهي أهم رُكن من أركان الأسرة، إذ هي المُنجبة للأولاد، وعنها يرثون كثيرًا من المزايا والصفات، وفي أحضانها تتكون عواطف الطفل، وتتربى ملكاته ويتلقى لغته، ويكتسب كثيرًا من تقاليده وعاداته، ويتعرف دينه، ويتعوَّد السلوك الاجتماعي.
من أجل هذا عُني الإسلام باختيار الزوجة الصالحة، وجعلها خير متاع ينبغي التطلع إليه والحرص عليه.
يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك"رواه البخاري ومسلم.
ويضع تحديدًا للمرأة الصالحة، وأنها الجميلة البارَّة الأمينة:
فيقول"خير النساء من إذا نَظَرْتَ إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا أقسمت عليها أَبَرَتْك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك"رواه النسائي وغيره بسند صحيح والحديث حسنه الألباني في إرواء الغليل.
ومن المزايا التي ينبغي توفرها في المرأة المخطوبة: أن تكون من بيئة كريمة معروفة باعتدال المزاج، وهدوء الأعصاب، والبعد عن الانحرافات النفسية، فإنها أجدر أن تكون حانية على ولدها، راعية لحق زوجها.
خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم (أم هانيء) فاعتذرت إليه بأنها صاحبة أولاد، فقال:"خير نساء ركبن الإبل صالحُ نساء قريش، أَحْناه على ولد في صِغَرِه، وأرعاه على زوج في ذات يده" (أي ماله) والحديث صحيح، صححه الألباني في صحيح الجامع. وطبيعة الأصل الكريم أن يتفرع عنه مِثْلُه.
يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقِهُوا".
فينبغي أن تكون الزوجة مُنجبة، ويعرف ذلك بسلامة بدنها وبقياسها على مثيلاتها من أخواتها وعماتها وخالاتها.
خطب رجل امرأة عقيمًا لا تلد، فقال: يا رسول الله إني خطبت امرأة ذات حَسَبٍ، وجمال وأنها لا تلد. فنهاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم وقال:"تزوجوا الودود الولود، فإني مُكاثر بكم الأمم يوم القيامة"والودود هي المرأة التي تتودد إلى زوجها وتتحبب إليه، وتبذل طاقتها في مرضاته، والإنسان بطبيعته يعشق الجمال ويهواه، ويشعر دائمًا في قرارة نفسه بأنه فاقد لشيء من ذاته إذا كان الشيء الجميل بعيدًا عنه، فإذا أحرزه واستولى عليه شعر بسكن نفسي، وارتواء عاطفي وسعادة، ولهذا لم يُسْقِط الإسلام الجمال من حسابه عند اختيار الزوجة. خطب المغيرة بن شعبة امرأة، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فقال له:"اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يُؤْدَمَ بينكما [أي تدوم بينكما المودة والعشرة] . صححه الألباني في المشكاة (3107) ."