فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 503

كان أبو محجن الثقفي رضي الله عنه لا يستطيع صبرًا عن شرب الخمر، فشربها في واقعة القادسية، فحبسه أمير الجيش سعد بن أبي وقاص، وأمر بتقييده، فلما التقى الجمعان قال أبو محجن:

كفى حزنًا أن تطرد الخيل بالقنا *** وأُترك مشدودًا عليّ وثاقيا

ثم قال لامرأة سعد أطلقيني، ولك عليّ إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، فإن قُتلت فقد استرحتم مني، فحلته، فوثب على فرس لسعد يقال لها"البلقاء"ثم أخذ رمحًا وخرج للقتال، فأتى بما بهر سعدًا وجيش المسلمين حتى ظنوه ملكًا من الملائكة جاء لنصرتهم، فلما هزم العدو رجع ووضع رجله في القيد، فأخبرت سعدًا امرأته بما كان من أمره، فخلى سعد سبيله، وأقسم ألا يقيم عليه الحد من أجل بلائه في القتال حيث قوي جيش المسلمين به، فتاب أبو محجن بعد ذلك عن شرب الخمر، فتأخر الحد أو إسقاطه كان لمصلحة راجحة، وهي خير للمسلمين وله من إقامة الحد عليه.

النهي عن إقامة الحدود في المساجد صيانة لها عن التلوث:

روى أبو داود بسنده عن حكيم بن حزام رضي الله عنه أنه قال:"نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود"الحديث ثابت قوي كما قال الألباني في المشكاة (734) .

يرى الظاهرية أنه فرض على القاضي أن يقضي بعلمه في الدماء والقصاص والأموال والفروج والحدود، سواء علم ذلك قبل ولايته، أو بعد ولايته، وأقوى ما حكم بعلمه، لأنه يقين الحق. ثم بالإقرار، ثم بالبينة، لأن الله تعالى يقول:"يا آيها الذين آمنوا كونوا قّوامين بالقسط شُهداء لله" (النساء 35) . وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه ..."فصح أن القاضي عليه أن يقوم بالقسط، وليس من القسط أن يترك الظالم على ظُلمه لا يغيره. وصح أن فرضًا على القاضي أن يغير كل منكر علمه بيده، وأن يُعطي كل ذي حق حقه، وإلا فهو ظالم.

أما جمهور الفقهاء، فإنهم يرون أنه ليس للقاضي أن يقضي بعلمه. قال أبو بكر رضي ا لله عنه:"لو رأيت رجلًا على حد لم أحده حتى تقوم البينة عندي". ولأن القاضي كغيره من الأفراد، لا يجوز له أن يتكلم بما شهده ما لم تكن لديه البينة الكاملة، ولو رمى القاضي زانيًا بما شهده منه وهو لا يملك على ما يقول البينة الكاملة لكان قاذفًا يلزمه حد القذف، وإذا كان قد حرم على القاضي النطق بما يعلم، الأولى أن يحرم عليه العمل به، وأصل هذا الرأي قول الله سبحانه"فإذ لم يأتوا بالشهداء، فأولئك عند الله هم الكاذبون" (النور 13) . ورأي الجمهور هو الرأي الراجح عندي، والذي عليه التعويل وإليه نميل.

التدرج في تحريمها:

كان الناس يشربون الخمر حتى هاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، فكثر سؤال المسلمين عنها وعن لعب الميسر، لما كانوا يرونه من شرورهما ومفاسدهما، فأنزل الله عز وجل:"يسألونك عن الخمر والميسر، قل: فيهما إثم كبير، ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما"البقرة 219.

أي أن في تعاطيهما ذنبًا كبيرًا، لما فيهما من الأضرار والمفاسد المادية والدينية، وأن فيهما كذلك منافع للناس، وهذه المنافع مادية. وهي الربح بالاتِّجار في الخمر، وكسب المال دون عناء في الميسر، ومع ذلك فإن الإثم أرجح من المنافع فيهما، وفي هذا ترجيح لجانب التحريم، وليس تحريمًا قاطعًا ثم نزل بعد ذلك التحريم أثناء الصلاة تدرجًا مع الناس الذين ألفوها وعدوها جزءًا من حياتهم. قال الله سبحانه:"يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى حتى تعلموا ما تقولون"النساء 43. وكان سبب نزول هذه الآية أن رجلًا صلى وهو سكران فقرأ:"قل يا أيها الكافرون. أعبد ما تعبدون"إلى آخر السورة - بدون ذكر النفي، وكان ذلك تمهيدًا لتحريمها نهائيًا. ثم نزل حكم الله بتحريمها نهائيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت