فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 503

الحرابة جريمة كُبرى:

والحرابة أو قطع الطريق تعتبر من كُبريات الجرائم ومن ثم أطلق القرآن الكريم على المتورطين في ارتكابها أقصى عبارة فجعلهم محاربين لله ورسوله، وساعين في الأرض بالفساد وغلظ عقوبتهم تغليظًا لم يجعلها لجريمة أخرى.

يقول الله سُبحانه:"إنما جزاء الذين يُحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدُنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم"?المائدة?.

ورسول الله - صلى الله عليه وسلم يُعلن أن من يرتكب هذه الجناية ليس له شرف الانتساب إلى الإسلام، فيقول:"من حمل علينا السلاح فليس منا". رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر.

وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:"من خرج على الطاعة، وفارق الجماعة ومات فميتته جاهلية"أخرجه مسلم.

شروط الحرابة:

ولابد من توافر شروط معينة في المحاربين حتى يستحقوا العقوبة المقررة لهذه الجريمة: وجُملة هذه الشروط هي:

1.التكليف: يشترط في المحاربين العقل والبلوغ فالصبي والمجنون لا يعتبر الواحد منهما محاربًا.

2.وجود السلاح: يشترط في المحاربين أن يكون معهم سلاح لأن قوَّتهم التي يعتمدون عليها هي قوة السلاح.

3.البعد عن العمران: اشتراط بعض العلماء أن يكون ذلك بعيدًا عن العمران والذي نختاره هو أن الحرابة عامة في القفر والمصر لأن الآية بعمومها تتناول كل محارب.

4.المجاهرة: أي بأن يأخذوا المال جهرة، فإن أخذوه مختفين فهم سّراق، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون، وإن خرجوا على أناس جهرة فقهروهم وأشهروا عليهم السلاح فهم قطاع طرق.

عقوبة الحرابة:

أنزل الله سبحانه في جريمة الحرابة قوله:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يُقّتلوا أو يُصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفَوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدُنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدرواعليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم". [المائدة] .

فهذه الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد. لقوله سُبحانه:"إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم"وقد أجمع العلماء على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدي المسلمين فأسلموا فإن الإسلام يعصم دماءهم وأموالهم وإن كانوا قد ارتكبوا من المعاصي قبل الإسلام ما يستوجب العقوبة."قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف" (الأنفال 38) فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام، ومعنى يُحاربون الله ورسوله أي يحاربون المسلمين بما يحدثونه من اضطراب، وفوضى، وخوف، وقلق، ويحاربون الإسلام بخروجهم عن تعاليمه وعصيانهم لها، فإضافة الحرب إلى الله ورسوله إيذان بأن حرب المسلمين كأنها حرب لله تعالى ولرسوله، كقوله تعالى:"يخادعون الله والذين آمنوا" (البقرة 9) .

فالمحاربة هنا مجازية: قال القرطبي: يحاربون الله ورسوله:

استعارة ومجاز إذ الله سبحانه وتعالى لا يحارب ولا يُغالب، لما هو عليه من صفات الكمال، ولما وجب له من التنزيه عن الأضداد والأنداد.

والمعنى يحاربون أولياء الله، فعبَّر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكبارًا لأذيتهم كما عبر بنفسه عن الفقراء والضعفاء في قوله تعالى:"من ذا الذي يُقرض الله قرضًا حسنًا" (البقرة 245) . حثًا على الاستعطاف عليهم، ومثله في صحيح السُنة:"استطعمتُك فلم تطعمني"انتهى.

سبب نزول هذه الآية:

قال الجمهور في سبب نزول هذه الآية:"إن العُرنيين (قبيلة من قبائل العرب) قدموا المدينة فأسلموا، واستوخموها (أي أصابهم المرض والوخم لعدم موافقة هوائها لهم) وسقمت أجسامهم، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى إبل الصدقة فخرجوا، وأمر لهم بلِقاح (جمع لِقحة وهي الناقة الحلوب) ليشربوا من ألبانها، فانطلقوا فلما صحّوا قتلوا الراعي، وارتدوا عن الإسلام"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت