فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 503

فيه، لما كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين، ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله إما بهدم وتحريق وإما تغيير صورته وإخراجه عما وضع له، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادًا من دون الله أحق بذلك وأوجب، وكذلك مَحالُّ المعاصي والفسوق كالحانات وبيوت الخمارين، وأرباب المنكرات، وقد حرق عمر بن الخطاب قرية بكاملها يُباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي (حيث كان يبيع الخمر) وسماه فويسقًا، وحرق باب قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية، وهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت تاركي حضور الجمعة والجماعة، وإنما منعه مَنْ فيها من النساء والذُريَّة، وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بُني على قبر كما ينبش على الميت إذا دفن في المسجد، نصَّ على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق، ولا تَصِحّ الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجدًا، فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه وغربته بين الناس كما ترى"."

فتبين مما نقلناه أن المذاهب الأربعة متفقة على تحريم بناء المساجد على القبور وعندما سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بما نصه:"هل تصح الصلاة في المسجد إذا كان فيه قبر، والناس تجتمع فيه لصلاتي الجمعة والجماعة أم لا؟ وهل يُمهَّدُ القبر أو يُعمل عليه حاجز؟"

فأجاب:"الحمد لله اتفق الأئمة أنه لا يُبنى مسجد على قبر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:"إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك"وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غُيّر إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدًا، وإن كان المسجد بُني بعد القبر، فإما أن يُزال المسجد، وإما تُزال صورة القبر، فالمسجد الذي على القبر لا يُصلى فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه"كذا في الفتاوي له (1/ 107، 2/ 192) .

وقال ابن تيمية في"الاختيارات العلمية:"ص 52:"ويُحرّم الإسراج على القبور واتخاذ المساجد عليها ويتعين إزالتها، ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين".

وهناك شبهة يُرددها كثير من الناس: وهي أن قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم في مسجده كما هو مشاهد اليوم ولو كان حرامًا لم يُدفن فيه.

والجواب: أن هذا وإن كان هو المشاهد اليوم، فإنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة، فإنه - صلى الله عليه وسلم لما مات دُفن في حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها التي كانت بجانب المسجد وكان يفصل بينهما جدار فيه باب، كان يخرج منه إلى المسجد، ولكن وقع بعد وفاة جميع أصحابه مالم يكن في الحسبان، ذلك أن الوليد بن عبد الملك سنة ثمان وثمانين هجرية أمر بهدم المسجد النبوي، وإضافة حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم إليه، فصار القبر بذلك في المسجد، ولم يكن في المدينة حينذاك أحد من الصحابة خلافًا لما توهم بعضهم، حيث كان من آخر الصحابة موتًا جابر بن عبد الله وتوفى في خلافة عبد الملك سنة ثمان وسبعين، والوليد تولى الخلافة سنة ست وثمانين وتوفى سنة ست وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك ... يتبين مما أوردناه أن القبر الشريف إنما أُدخل إلى المسجد النبوي حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة، ولذلك فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة.

وإن مما يأسفُ له كل مسلم طاهر القلب أن يجد كثيرًا من المسلمين قد وقعوا في مخالفة شريعة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم التي أمرت بالابتعاد عن كل ما يخدش التوحيد، فنراهم يتمسحون بالقبور ويستغيثون بأصحابها وينذرون لها، ويحلفون بها ويسجدون لها، وغير ذلك من الضلال مما هو مشاهد معروف، فاقتضت حكمته تبارك وتعالى تحريم كل هذه الأمور حتى يُعبد الله تبارك وتعالى وحده، ولا يُشرك به شيء، فيتحقق بذلك قوله تبارك وتعالى"وأنّ المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدًا"سورة الجن آية 18.

ثم يزداد الإنسان أسفًا حين يرى قليلًا أو كثيرًا من المشايخ يُقِرّوهم على تلك المخالفة بدعوى أن نياتهم طيبة ويشهد الله أن كثيرًا منهم قد فسدت نِيّاتُهم، وران عليها الشرك بسبب سكوت أمثال هؤلاء المشايخ، بل تسويفهم كل ما يرونه من مظاهر الشرك بتلك الدعوى الباطلة أين النية الطيبة ياقوم من أناس كلما وقعوا في ضيق جاءوا إلى ميت يرونه صالحًا فيدعونه من دون الله، ومما لا يقدر عليه إلا الله؟ بل إذا زَلَّت قدم دابتهم نادوا: يا الله يا باز بينماهؤلاء المشايخ قد يعلمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم سمع يومًا بعض الصحابة يقول له: ما شاء الله وشئت قال: أجعلتني لله ندًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت