فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 503

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى"البخاري ومسلم.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله:"ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يُعافيك الله منهما"، ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس، والاحتراز من تطرق ظنونهم لانسد عليه أكثر أبواب الخير، وضيع على نفسه شيئًا عظيمًا من مهمات الدين، وليس هذا طريقة الصالحين، فإذا أراد الإنسان أن يذكر الله تعالى باللسان مع القلب فليس له أن يمتنع من ذلك خوفًا من الرياء بل يذكر الله بهما جميعًا، ويقصد به وجه الله تعالى.

الثاني: وردت أحاديث تقتضي الجهر بالذكر، وأحاديث تقتضي الإسرار به، والجمع بينهما: أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا في المواضع التي لم يَرِدْ فيها دليل على الجهر أو الإسرار، أما فيما أُطْلِقَ ولم يُقيَّد: فقد يكون الإسرار أبعد عن الرياء والتصنع، فهو أفضل في حق من يخاف ذلك على نفسه، فإن لم يخف، ولم يكن في الجهر ما يشوش على مصلٍّ آخر، فالجهر أفضل لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته أيضًا تتعلق بغيره، والخير المتعدي أفضل من اللازم، ولأنه يوقظ قلب القاريء، ويجمع هَمَّه إلى الفكر فيه، ويصرف إليه سمعه، ولأنه يطرد النوم في رفع الصوت، ولأنه يزيد في نشاطه للقراءة، ويقلل من كسله، ولأنه يرجو بجهره تَيَقُظَ نائم فيكون هو سبب إحيائه، ولأنه قد يراه بطَّال غافل فينشط بسبب نشاطه، ويشتاق إلى الخدمة، فمتى حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل، وإن اجتمعت هذه النيات تضاعف الأجر، وبكثرة النيات تزكو أعمال الأبرار وتتضاعف أجورهم.

تنبيه: نقل النووي عن صاحب الحاوي قوله"حدُّ الجهر أن يُسمع من يليه وحد الإسرار أن يُسمع نفسه. انظر المجموع أ. هـ (3/ 326) ."

الثالث: ينبغي لمن كان له وظيفة من الذكر في وقت من ليل أو نهار، أو عقيب صلاة أو حالة من الأحوال - ففاتته - أن يتداركها، ويأتي بها إذا تمكن منها ولا يُهملها، فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يُعرِّضْها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سهل عليه تضييعها في وقتها، فينبغي أن يتداركها حتى يَصْدُقَ عليه أنه مُديم للذكر مواظب عليه، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يقضون ما فاتهم من الأذكار التي كانوا يفعلونها في أوقات مخصوصة.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل"مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم.

(والحزب: هو ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة) .

وفي تفسير عبد بن حميد وغيره من التفاسير المسندة عن الحسن في قول الله عز وجل:"وهو الذي جعل الليل والنهار خِلْفة لمن أراد أن يذكَّر أو أراد شُكورًا قال: من عجز بالليل كان له من أول النهار مستعتب، ومن عجز بالنهار كان له من الليل مُسْتَعْتب، وعن قتادة قال: إن المؤمن قد ينسى بالليل ويذكر بالنهار، وينسى بالنهار ويذكر بالليل) أ. هـ."

الرابع: عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"، قال:"فكانت عائشة إذا عملت عملًا داومت عليه"أخرجه مسلم.

عن علقمة قال: سألت أم المؤمنين عائشة، قلت: يا أم المؤمنين كيف كان عمل النبي - صلى الله عليه وسلم هل كان يخصُّ شيئًا من الأيام؟ قالت: لا كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ماكان النبي - صلى الله عليه وسلم يستطيع؟"أخرجه البخاري ومسلم (ديمة: أي على الدوام) ."

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم"لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل"البخاري ومسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل، وقال: اكلَفوا من الأعمال ما تُطيقون"أخرجه البخاري (اكلَفوا: أي ألزموا أنفسكم) .

فبيّنَ - صلى الله عليه وسلم أن المداومة على عمل من أعمال البر - ولو كان مفضولًا - أحب إلى الله من عمل يكون أعظم أجرًا لكن ليس فيه مداومة، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"والحكمة في ذلك أن المديم للعمل يُلازم الخدمة، فيكثر التردد إلى باب الطاعة كل وقت ليجازى بالبرِّ لكثرة تردُّدِه، فليس هو كمن لازم الخدمة مثلًا ثم انقطع، وأيضًا فالعامل إذا ترك العمل صار كالمُعرِض بعد الوصل فيتعرض للذم والجفاء، ومن ثم ورد"

الوعيد في حق من حفظ القرآن ثم نسيه"أ هـ. فتح الباري (11/ 294) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت