فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 503

واعلم أن الذكر النافع والمؤثر هو الذكر على الدوام مع حضور القلب، وقد يكون أوله متكلفًا، لكنه مع المثابرة والمكابدة لمدة طويلة يورث الأنس والمحبة، ويصبح طبعًا.

وقد ترد أذكارٌ كثيرةٌ في وظيفة واحدة، فمن وُفِّق للعمل بها كلها فهي نعمة وفضل من الله سبحانه وتعالى عليه، ومن عجز عن جميعها فليقتصر من مختصراتها على قدر يداوم عليه ولو كان ذكرًا واحدًا، وفضل الأكثر أكثر، والأوسط أقصد، وهو أجدر بأن يداوم عليه.

وكل وظيفة لا يمكن المواظبة على كثيرها، فقليلها مع المداومة أفضل وأشد تأثيرًا في القلب من كثيرها مع الفترة، ومثال القليل الدائم كقطرات ماء تتقاطر على الأرض على التوالي فتحدث فيها حفيرة، ولو وقع ذلك على الحجر، ومثال الكثير المتفرق ماء يُصب دفعة واحدة أو دفعات متفرقة متباعدة الأوقات فلا يبين لها أثر ظاهر.

الخامس: ينبغي لمن بلغه شيء من فضائل الأعمال وصِحاح الأذكار وحِسان الدعوات أن يعمل به ولو مرة واحدة ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقًا، بل يأتي ما تيسر منه لقوله - صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته:"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم"وأقل الاستطاعة - إذا لم يمنع مانع - أن يأتي به مرة واحدة، وفي الكتاب العزيز"فاتقوا الله ما استطعتم"وهذا يدلك على أن لا تتركه حتى الإمكان، وإن كان قليل المرات، ومن زاد زاد الله له في الجنات.

السادس: فضيلة الذكر لا تنحصر في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها، بل كلُ عاملٍ لله تعالى بطاعة الله فهو ذاكر لله سبحانه، قاله سعيد بن جبير رحمه الله، وقال عطاء:"مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام: كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتحج وأشباه هذا"ويدل له قوله سبحانه:"رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة .. الآية" (النور: 38) .

وأما هذا الذكر الذي أحدثه بعض الصوفية، ولزموه مع هجران العبادات اللازمة التي هي من حقوق الإسلام وحقوق الله سبحانه وحقوق النفس، ثم يَروْن أهل العلم في مجالس الدراسة رؤية حقارة، فهذا ليس بذكر بل هو نسيان الله ونسيان أمره ونَهْيِهِ، وما أقبح هذا الذكر وأحراه بتسمتيه النسيان والغفلة.

السابع: الذكر محبوب مطلوب من كل أحد مرغوب فيه مندوب إليه في جميع الأحوال إلا في حال ورد الشرع الشريف باستثنائه كحالة الجلوس على قضاء الحاجة وحالة الجماع، وحالة سماع الخطبة، وحالة النعاس، ولا يُكره في الطريق، فقد كان - صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه.

الثامن: أفضل الأذكار مطلقًا تلاوة القرآن العظيم، إلا فيما شرع بغيره، وذلك في المواطن التي ورد النهي فيها عن قراءة القرآن كحالتي الركوع والسجود، وهكذا ما وردت به السنة المطهرة من الأذكار الموظفة في الأوقات وعقيب الصلوات لأن إرشاده - صلى الله عليه وسلم إليها في هذه الأوقات يدل على أفضليتها على غيرها، ثم أفضل الذكر بعد تلاوة القرآن الكريم دراسة علم الحديث النبوي الشريف، وما أكثر ما ثبت من النصوص في فضيلة العلم والعلماء، والتعليم والتعلُّم، ثم أفضل الذكر بعد ذلك التصلية والتسليم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ثم سائر الأذكار المأثورة والدعوات المشهورة في دواوين السُنة، يأتي بها الذاكر في أوقاتها، ومنها ما هو غير مُوقَّت فيأتي بها كما جاءت، ولا يبتدع بل يتبِّع، والله المستعان.

التاسع: فائدة مُهمة في أن العبادة وخصوصًا الذكر تُنشِّط البدن وتلينه، والنوم والفتور يُكسل البدن ويُقسِّي القلب.

قال هود عليه السلام فيما أخبر الله به:"ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يُرسل السماء عليكم مدرارًا ويزدكم قوة إلى قوتكم"وهذه القوة تشمل جميع القوى، فيزيد الله عابديه قوة في إيمانهم ويقينهم ودينهم وتوكلهم، وغير ذلك مما هو من جنس ذلك، ويزدهم قوة في أسماعهم وأبصارهم وأجسادهم وأموالهم وأولادهم، وغير ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وقد عَلَّم النبي - صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة وعليًا رضي الله عنهما أن يُسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثًا وثلاثين، ويحمدا الله ثلاثًا وثلاثين، ويُكبرا الله ثلاثًا وثلاثين، لما سألتْهُ الخادِمَ، وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة، فعلمها ذلك، وقال"إنه خير لكما من خادم" (متفق عليه) .

فقيل: إن من داوم على ذلك وجد قوة في يومه مُغْنيةً عن خادم.

وكان حبيب بن سلمة يستحب إذا لقي عدوًا، أو ناهض حصنًا قول:"لا حول ولا قوة إلا بالله"، وإنه ناهض يومًا حصنًا للروم، فانهزم، فقالها المسلمون وكبروا، فانهدم الحصن، وقد ثبت عنه صلىلله عليه وسلم أن قسطنطينية تُفتح بالتكبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت