فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 503

أما الوقف لبعض الورثة في مرض الموت: فقد ذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه إلى أنه لا يجوز الوقف على بعض الورثة أثناء المرض. وذهب غير الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى إلى جواز وقف الثلث على الورثة في المرض مثل الأجانب (وهو الراجح عندي) لأن الوقف غير الوصية. ولما قيل للإمام أحمد: أليس تذهب إلى أنه لا وصية لوارث؟ فقال: نعم. والوقف غير الوصية لأنه لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورث ولا يصير ملكًا للورثة ينتفعون بغلته.

جواز أكل العامل من مال الوقف:

يجوز للمتولي أمر الوقف أن يأكل منه لحديث ابن عمر"السابق"وفيه:"لا جُناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف". والمراد بالمعروف القدر الذي جرت به العادة.

قال القرطبي:"جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف حتى لو اشترط الواقف أن العامل لا يأكل لا ستقباح ذلك منه".

فاضل ريع الوقف يصرف في مثله:

قال ابن تيمية: وما فضل من ريع الوقف واستُغني عنه فإنه يصرف في نظير تلك الجهة، كالمسجد إذا فضلت غلة وقفه عن مصالحه صُرف في مسجد آخر، لأن الواقف غرضه في الجنس، والجنس واحد، فلو قُدِّرَ أن المسجد الأول خرب، ولم ينتفع به أحد، صرف ريعه في مسجد آخر، وكذلك إذا فضل عن مصلحته شيء، فإن هذا الفضل لا سبيل إلى صرفه إليه، ولا إلى تعطيله، فصرفه في جنس المقصود أولى. وهو أقرب الطرق إلى مقصود الواقف"."

إبدال المنذور والموقوف بخير منه:

إن تعطلت منافع الوقف لخرابه جاز عند بعض أهل العلم (وهو الراجح عندي) بيعه وصرف ثمنه في مثله، وإن فضل شيء صُرف في مسجد أو تصدق به على الفقراء والمساكين.

قال ابن تيمية أيضًا: وأما إبدال المنذور والموقوف بخير منه فهذا نوعان:

أحدهما: أن يكون الإبدال للحاجة، مثل أن يتعطل فيُباع ويُشترى بثمنه ما يقوم مقامه، كالفرس الحبيس للغزو، إذا لم يمكن الانتفاع به في الغزو فإنه يُباع ويُشترى بثمنه ما يقوم مقامه، والمسجد إذا تخرَّب ما حوله، فيُنقل إلى مكان آخر، أو يُباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، وإذا لم يُمكن الانتفاع بالموقوف عليه من مقصود الواقف، فيُباع ويُشترى بثمنه ما يقوم مقامه، وإذا خرب ولم يمكن عمارته فتباع العَرصَة، ويُشترى بثمنها ما يقوم مقامها، فهذا كله جائز، فإن الأصل إذا لم يحصل به المقصود قام بدله مقامه.

والثاني: الإبدال لمصلحة راجحة، مثل أن يبدل الهدي بخير منه، ومثل المسجد إذا بُني بدله مسجد آخر أصلح لأهل البلد منه، وبيع الأول، فهذا ونحوه جائز عند أحمد وغيره من العلماء.

واحتج أحمد بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نقل مسجد الكوفة القديم إلى مكان آخر، وصار الأول سوقًا للتمّارين، فهذا إبدال لعرصة المسجد، وأما إبدال بنائه ببناء آخر، فإن عمر وعثمان رضي الله عنهما، بنيا مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم على غير بنائه الأول وزادا فيه، وكذلك المسجد الحرام وقد ثبت في"الصحيحين"أن النبي - صلى الله عليه وسلم قال لعائشة:"لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض ولجعلت لها بابين، بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرج منه الناس، فلولا المعارض الراجح لكان النبي - صلى الله عليه وسلم غير بناء الكعبة، فيجوز تغيير بناء الوقف من صورة إلى صورة، لأجل المصلحة الراجحة، أما إبدال العرصة بعرصة أخرى، فهذا قد نص أحمد وغيره على جوازه، اتباعًا لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم حيث فعل ذلك عمر رضي الله عنه، واشتهرت القضية ولم تُنكر."

وأما ما وقف للغلة، إذا أُبدل بخير منه، مثل أن يقف دارًا أو حانوتًا أو بستانًا أو قرية مَغلُّها قليل، فيبدل بها ما هو أنفع للوقف.

فقد أجاز ذلك أبو ثور وغيره من العلماء، مثل أبي عبيد بن حربوية قاضي مصر وحكم بذلك، وهو قياس قول أحمد في تبديل المسجد من عرصة إلى عرصة للمصلحة، بل إذا جاز أن يبدل المسجد بما ليس بمسجد للمصلحة، بحيث يصير المسجد سوقًا فلأن يجوز إبدال المستغل بمستغل آخر، أولى وأحرى، وهو قياس قوله في إبدال الهدي بخير منه، وقد نص على أن المسجد اللاصق بالأرض إذا رفعوه وبنوا تحته سقاية، واختار ذلك الجيران فعل ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت