وذَهَبا معًا فالخيارُ باقٍ، وهذَا المذهبُ دليلُه هذا الحديثُ المتفقُ عليهِ.
القولُ الثاني: للهادويةِ (١) ، والحنفيةِ (٢) ، ومالكٍ (٣) ، والإماميةِ (١) ، أنهُ لا يَثْبُتُ خيارُ المجلسِ بلْ متى تفرَّقَ المتبايعانِ بالقولِ فلا خيارَ إلا ما شرطَ مستدلينَ بقولِه تعالَى: {تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} (٤) ، وبقولِه: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} (٥) ، قالُوا: والإشهادُ إنْ وقعَ بعدَ التفرُّقِ لم يطابقِ الأمرَ، وإنْ وقعَ قبلَه لم يصادفْ محلَّه، وحديثُ: "إذا اختلفَ البيِّعانِ فالقولُ قولُ البائعِ" (٦) ولم يفصَّلْ. وأجيبَ بأنَّ الآيةَ مطلقةٌ قُيِّدتْ بالحديثِ، وكخيارِ الشرطِ، وكذلكَ الحديثُ، وآيةُ الإشهادِ يُرَادُ [بهما] (٧) عندَ العقدِ ولا ينافيهِ ثبوتُ خيارِ المجلسِ، كما لا ينافيهِ سائرُ الخياراتِ. قالُوا: والحديثُ منسوخٌ بحديثِ: "المسلمونَ على شروطِهم" (٨) . والخيارُ بعدَ لزومِ العقدِ يفيدُ الشرطَ. ورُدَّ بأنَّ الأصلَ عدمُ النسخِ، ولا يثبتُ بالاحتمال. قالُوا: ولأنهُ منْ روايةِ مالكٍ (٩) ، ولا يعملُ بهِ. وأجيبَ بأنّ مخالفةَ الراوي لا توجبُ عدمَ العملِ بروايتهِ، لأنَّ عملَه مبنيٌّ على اجتهادِه، وقدْ يظهرُ له ما هوَ أرجحُ عندَه مما رواهُ، وإن لم يكنْ أرجحَ في نفسِ الأمرِ، قالُوا: وحديثُ البابِ يحملُ على المتساومينِ فإنَّ استعمالَ البائعِ في المساومِ شائعٌ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ إطلاقٌ مجازيٌ، والأصلُ الحقيقةُ، وعُوِرضَ بأنهُ يلزمُ أيضًا حملُهُ على المجازي على القولِ الأولِ؛ فإنهُ على تقديرِ القولِ بأنَّ المرادَ التفرقُ (١٠) بالأبدانِ هوَ بعدَ تمامِ الصيغةِ وقدْ مضَى، فهو مجاز في الماضي. وردَّت هذه المعارضة