وإذا عرفتَ هذا فاعلمْ أن الدَّعْوى: وجوبُ الجماعةِ عينًا أو كفايةً، والدليلُ هوَ حديثُ الهمِّ بالتحريقِ، وحديثُ الأعْمى، وهما إنَّما دلَّا على وجوبِ حضورِ جماعتهِ - صلى الله عليه وسلم - في مسجدهِ لسامعِ النداءِ، وهوَ أخصُّ من وجوبِ الجماعةِ، ولو كانتِ الجماعةُ واجبةً مطلقًا لبيّنَ - صلى الله عليه وسلم - [ذلكَ] (١) للأعمى، ولقالَ لهُ: انظرْ مَنْ يصلِّي معكَ، ولقالَ في المتخلّفينَ: إنَّهم لا يحضرونَ جماعتَهُ - صلى الله عليه وسلم - ولا يجمعونَ في منازلهِمْ، والبيانُ لا يجوزُ تأخيرُهُ عن وقتِ الحاجةِ، فالأحاديثُ إنَّما دلَّتْ على وجوبِ حضورِ جماعتهِ - صلى الله عليه وسلم - عينًا على سامعِ النداءِ، لا على وجوبِ مطلقِ الجماعةِ كفايةً ولا عينًا.
وفيه أنهُ لا يرخَّصُ لسامعِ النداءِ عن الحضورِ وإنْ كانَ لهُ عذرٌ، فإنَّ هذا ذكرَ العذرَ وأنهُ لا يجدُ قائدًا فلم يعذرْهُ إذنْ، ويحتملُ أن الترخيصَ لهُ ثابتٌ للعذرِ، ولكنهُ أمرهُ بالإجابةِ ندبًا لا وجوبًا ليحرزَ الأجرَ في ذلكَ، والمشقةُ تغتفرُ بما يجدهُ في قلبهِ منَ الروحِ في الحضورِ، ويدلُّ لكون الأمر للندب - [أي] (١) : مع العذرِ - قولُهُ:
٥/ ٣٧٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلا صَلاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ" ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٢) ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٣) ، وَابْنُ حِبَّانَ (٤) ، وَالْحَاكِمُ (٥) ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ (٦) . [صحيح]