الأول: ذهبَ أحمدُ (١) ، وإسحاقُ إلى العمل بظاهرِ الحديثِ، وخصُّوا ذلكَ بالركوبِ والدرِّ، وقالوا: يُنْتَفَعُ بِهمَا بِقَدْرِ قيمةِ النفقةِ، ولا يقاس غيرُهما عليهِمَا.
والثاني: للجمهورِ (٢) قالُوا: لا ينتفِعُ المرتهنُ بشيءٍ. قالُوا: والحديثُ خالفَ القياسَ منْ وجهينِ، [أولُهما] : (٣) تجويزُ الركوبِ والشربِ لغيرِ المالكِ بغيرِ إذنهِ، وثانيهما: تضمينُه ذلكَ بالنفقةِ لا بالقيمة.
[قال ابنُ عبدِ البرِّ: هذا الحديثُ عندَ جمهورِ الفقهاءِ تردُّه أصولٌ مجتمعةٌ، وآثارٌ ثابتةٌ، لا يختلفُ في صِحَّتِها] (٤) ، ويدلُّ على نسخهِ حديثُ (٥) ابن عمرَ: "لا تُحْلَبُ ماشيةُ امرئٍ بغير إذنِه" ، أخرجهُ البخاريُّ في [باب] (٦) المظالمِ (٧) .
قلت: أما النسخُ فلا بدَّ [له] (٨) منْ معرفةِ التاريخِ، على أنهُ لا يحملُ عليهِ إلا إذا تعذَّرَ الجمعُ، ولا تعذُّرَ هنا؛ إذْ يخصُّ عموم النَّهْي بالمرهونةِ، وأما مخالفةُ القياسِ فليستِ الأحكامُ الشرعيةُ مطردةً على نسقٍ واحدٍ، بلِ الأدلةُ تفرِّقُ بينَها [في] (٩) الأحكامِ، والشارعُ حَكَمَ هنا بركوبِ المرهونِ، وشربِ لبنهِ، وجعلهِ قيمةً للنفقة. وقدْ حكمَ الشارعُ ببيع الحاكمِ عن المتمردِ بغير إذنهِ، وجعلِ صاعِ التمر عِوضًا عن اللبنِ وغيرِ ذلكَ. وقالَ الشافعيُّ (١٠) : المرادُ أنهُ لا يمنعُ الراهنُ منْ ظهرِها ودرِّها، فجعلَ الفاعلَ الراهنَ، وتعقِّبَ (١١) بأنهُ وردَ بلفظِ المرتهن فتعينَ الفاعلُ.