حديثِ ابن عُكَيم، وروايةُ التاريخِ فيه بِشهرٍ أو شهرين مُعَلَّةٌ؛ فلا تقومٌ بها حجَّةٌ على النسخ، على أنها لو كانتْ روايةُ التاريخ صحيحةً ما دلتّ على أنهُ آخرُ الأمرينِ جزمًا، ولا يقالُ: فإذا لم يتمَّ النسخُ تعارضَ الحديثانِ؛ حديثُ ابن عُكَيم، وحديثُ ابن عباسٍ ومن معهُ، ومعَ التعارُضِ يُرْجَعُ إلى الترجيحِ أو الوقف: لأنا نقولُ لا تعارُضَ إلا معَ الاستواءِ؛ وهو مفقودٌ كما عَرَفْتَ من صحةِ حديثِ ابن عباسٍ، وكثرةِ مَنْ معهُ مِنَ الرواةِ، وعدمُ ذلكَ في حديثِ ابن عُكَيْم.
وثالثًا: بأنَّ الإهابَ كما عرفْتَ [من] (١) "القاموس" (٢) و "النهايةِ" (٣) ، اسمٌ لما لم يُدْبَغْ في أحد القولينِ. وقال النضرُ بنُ شميلٍ: الإهابُ لِمَا لَمْ يُدْبَغْ، وبعدَ الدَّبغ يقالُ لَهُ: شَنٌّ وقِرْبَةٌ، وبهِ جزمَ الجوهريُّ. قيلَ: فلما احتملَ الأمرينِ، ووردَ الحديثانِ في صورةِ المتعارِضَيْنِ، جمعنا بينهما بأنهُ نُهيَ عن الانتفاع بالإهابِ ما لمْ يُدْبَغْ، فإِذَا دُبغَ لم يُسمَّ إِهابًا؛ فلا يدخلْ تحتَ النهي، وهو حَسَنٌ (٤) .
(الثالث) : يَطْهُرُ جلدُ ميتةِ المأكولِ لا غيرُهُ، ويرده عمومُ "أيُّما إهابٍ" .
(الرابع) : يَطْهُرُ الجميع إلا الخنزيرَ؛ فإنَّهُ لا جلدَ لَهُ، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ.
(الخامسُ) : يَطْهُرُ إلا الخنزيرَ، لقوله: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} (٥) ، والضميرُ للخنزيرِ فقد حَكَمَ بِرِجسيّتِهِ كُلِّهِ، والكلبُ مقيسٌ عليهِ بجامعِ النجاسةِ؛ وهو قولُ الشافعيِّ.
(السادسُ) : يَطْهُرُ الجميع لكنّ ظاهرَهُ دونَ باطنِهِ، فيستعملُ في اليابسات دون المائعاتِ، ويصلَّى عليهِ، ولا يصلَّى فيهٍ؛ وهو مرْويُّ عن مالكٍ جمعًا منهُ بينَ الأحاديثِ لما تعارَضَتْ.