في تواترُه الفخرُ الرازيُّ (١) ، ولا يضرُّ ذلكَ بثبوتهِ، فإنهُ مُتلقَّى بالقَبول منَ الأمةِ كما عُرِفَ. وقدْ ترجمَ به البخاريُّ (٢) فقال: بابُ لا وصيةَ لوارثٍ، وكأنهُ لم يثبتْ على شرطِه، فلمْ يُخَرِّجْهُ، ولكنهُ أخرجَ (٣) بعدَهُ عنْ عطاءِ بن أبي رباح، عن ابن عباسٍ موقُوفًا في تفسيرِ الآيةِ (٤) ، ولهُ حكمُ المرفوعِ. والحديثُ دليلٌ على مَنْعِ الوصيةِ للوارثِ، وهوَ قولُ الجماهيرِ (٥) منَ العلماء. وذهبَ الهادي (٦) وجماعة إلى جوازِها مستدلينَ بقولِه تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} (٧) الآيةُ. قالُوا: ونَسْخُ الوجوبِ لا ينافي بقاءَ الجوازِ. قُلْنا: نعمْ لوْ لم يردْ هذا الحديثُ فإنهُ نافٍ لجوازِها؛ إذْ وجوبُها قد عُلِمَ نسخُه منْ آيةِ المواريثِ (٨) كما قال ابنُ عباسٍ (٩) - رضي الله عنه - كانَ المال للولدِ، والوصيةُ للوالدينِ، فَنَسَخَ اللَّهُ سبحانَه منْ ذلكَ ما أحبَّ، فجعلَ للذكرِ مثلُ حظِّ الأنْثَيَيْنِ، وجعلَ للأبوينِ لكل واحدٍ منْهما السُّدُسَ، وجعلَ للمرأةِ الثُّمُنَ والرُّبُعَ، وللزوجِ الشَّطْرَ، والرُّبُع. وقولُه: "إلَّا أن يشاء الورثة" دلَّ على أنَّها تصحُّ وتُنَفَّذُ الوصيةُ للوارثِ إنْ أجازَها الورثةُ. وتقدَّم الكلامُ (١٠) في إجازةِ الورثةِ ما زادَ على الثُلُثِ، هلْ ينفذُ بِها أو لا، وأنَّ الظاهريَةِ (١١) ذهبتْ إلى أنهُ لا أثرَ لإجازتِهم. والظاهرُ معَهم لأنهُ - صلى الله عليه وسلم - لما نَهَى عن الوصيةِ للوارثِ قيَّدَها بقولِه: "إلا أنْ يشاءَ الورثةُ" . وأطلقَ لما منعَ من الوصيةِ بالزائدِ علَى الثُّلُثِ وليسَ لنا تقييدُ ما أطْلَقَهُ، ومَنْ قَيَّدَ هنالك قال: إنهُ يُؤْخَذُ القيدُ منَ التعليلِ بقولهِ (١٢) : "إنكَ إنْ تذرْ إلخ" ؛ فإنهُ دلَّ على أن المنْعَ منَ الزيادةِ على