الأعْورِ عنهُ قالَ: "قَضَى محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - أن الدَّيْنَ قَبْلَ الوصيةِ، وأنتمُ تقرأونَ الوصيةَ قبلَ الدَّيْنِ" . وعلَّقَهُ البخاري (١) ، وإسنادُهُ ضعيفٌ. لكنْ قالَ الترمذيُّ: العملُ عليهِ عندَ أهلِ العلمِ، وكأنَّ البخاريَّ اعتمدَ عليهِ لاعتضَادهِ بالاتفاقِ على مقتضاهُ. وقدْ أوردَ لهُ شواهد (٢) ولم يختلف العلماءُ أن الدَّيْنَ يُقَدَّمُ على الوصيةِ. فإنْ قيلَ: فإذا كانَ الأمرُ هكَذَا فَلِمَ قُدِّمَتِ الوصيةُ على الدَّيْنِ في الآيةِ؟
قُلْتُ: أجابَ السُّهَ??ْلي (٣) بأنَّها لَمَّا كانتِ الوصيةُ تقعُ على وَجْهِ البرِّ والصلةِ، والدَّيْنُ يقعُ بِتَعَدّي الميتِ بحسبِ الأغلبِ، فبدأ بالوصيةِ لكَوْنِها أفضلَ، وأجابَ غيرُه (٣) بأنَّها إنَّما قُدِّمَتِ الوصيةُ لأنهُ شيءٌ يُوخَذُ بغيرِ عِوَضٍ، والدَّيْنُ يؤخذُ بِعِوضٍ، فكانَ إخراجُ الوصيةِ أشقَّ على الوارثِ منْ إخراجِ الدَّيْنِ، وكانَ أداؤُها مَظَنَّةَ التفريطِ بخلافِ الدَّيْنِ، فَقُدِّمَتِ الوصيةُ لذلكَ، ولأنَّها حظُّ الفقيرِ والمسكينِ غالبًا، والدَّيْنُ حظ الغريم يطلبُه بقوةٍ، ولهُ مقالٌ، ولأنَّ الوصيةَ ينشئُها الموصي منْ قِبَلْ نَفْسِهِ فَقُدِّمَتْ تحريضًا على العملَ بها، بخلافِ الدَّيْنِ فإنهُ مطلوبٌ منهُ ذَكرَ أو لم يذكرْ، ولأنَّ الوصيةَ ممكنةٌ منْ كلّ أحدٍ مطلوبة منه إما نَدْبًا، أوْ وُجُوبًا؛ فيشتركُ فيها جميعُ المخاطبينَ. وتقعُ بالمالِ وبالعملِ. وقلَّ منْ يخلُو عنْ ذلكَ بخلافِ الدَّيْنِ، وما يكثرُ وقوعُه أهم بأنْ يذكرَ أوَّلًا على ما يقلُّ وقُوعُهُ.
* * *