وفي "البحر" (١) نقلَ عنْهم [خلاف] (٢) هذا، وهذ الأقوال لم يسفرْ فيها وجْهُ الاستدلالِ. وفي قولِه تعالَى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} (٣) ما يشعرُ بأنَّ للقريب حقًّا على قريبِه والحقوقُ متفاوتةٌ فمعَ حاجتِهِ للنفقةِ تجبُ ومعَ عَدَمِها فحقه الإحسانُ بغيرها منَ البرِّ والإكرامِ. والحديثُ كالمبينِ لذوي القُرْبَى ودرجاتِهم فيجبُ الإنفاقُ للمعسرِ على الترتيبِ في الحديثِ ولم يذكُرْ فيهِ الولدَ والزوجةَ لأنَّهما قدْ عُلِمَا منْ دليلٍ آخرَ والتقييدُ بكونِه وارثًا محلُّ توقُّفٍ. واعلمْ أن للعلماءِ [خلافًا] (٤) في سقوط نفقةِ الماضي، فقيلَ تسقطُ للزوجة والأقارب، وقيل لا يسقطان، وقيل تسقط نفقةُ القريب دونَ الزوجةِ. وعلَّلُوا هذا التفصيلَ بأنَّ نفقةَ القريبِ إنَّما شُرِعَتْ للمواساةِ لأَجلِ إحياءِ النفسِ وهذا قدِ انْتَفَى بالنظرِ إلى الماضي، وأما نفقةُ الزوجةِ فهيَ واجبةٌ لا لأجلِ المواساةِ ولذا تجبُ مع غِنَى الزوجةِ، ولإجماعِ الصحابةِ على عَدَمِ سقوطِها فإنْ تمَّ الإجماعُ فلا التفاتَ إلى [خلافِ] (٥) منْ خالفَ بعدَه وقدْ قالَ - صلى الله عليه وسلم -: "ولهنَّ عليكمْ رزقُهنَّ وكسوتُهنَّ بالمعروفِ" (٦) فمهْمَا كانتْ زوجةً مطيعةً فهذَا الحقُّ الذي لها ثابتٌ.
وأخرجَ الشافعي (٧) بإسنادٍ جيِّدٍ عنْ عمرَ - رضي الله عنه -: "أنهُ كتبَ إلى أُمراءِ الأجنادِ في رجالٍ غابُوا عنْ نسائِهم فأمرَهمُ أن يأمروهُم بأنْ ينفقُوا أوْ يطلِّقوا، فإنْ طلَّقوا بعثُوا