وأما الآيةُ فأفادتْ أَخْذَ الجزيةِ منْ أهلِ الكتابِ ولم تتعرضْ لأخْذِها منْ غيرِهِم ولا لعدمِ أَخْذِها، والحديثُ بيَّنَ أَخذَها منْ غيرِهم، وحَمْلُ عدوِّكَ علَى أهلِ الكتابِ في غايةِ البعدِ وإنْ قالَ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ: إنْ آيةَ الجزيةِ إنما نزلتْ بعدَ انقضاءِ حربِ المشركينَ وَعَبَدَةِ الأوثانِ ولم يبقَ بعدَ نُزُولِها إلَّا أهلُ الكتابِ، قالَه تقويةً لمذهبِ إمامِه الشافعيِّ، ولا يَخْفَى بطلانُ دعواهُ بأنهُ لم يبقَ بعدَ نزولِ آيةِ الجزيةِ إلَّا أهلُ الكتابِ، بلْ بقيَ عُبَّادُ النيرانِ منْ أهلِ فارسَ وغيرِهم، وعُبَّادُ الأصنامِ منْ أهلِ الهندِ.
وأما عدمُ أخذِها منَ العربِ فإنَّها لم تُشْرَعْ إلَّا بعدَ الفتحِ وقدْ دخلَ العربُ في الإسلامِ ولم يبقَ منْهم عدو يحارب فلم يبقَ [منهم] (١) بعدَ الفتح مَنْ يُسْبَى ولا مَنْ تضربُ عليهِ الجزيةُ، بلْ مَنْ خرجَ بعدَ ذلكَ عنِ الإسلامِ منهم فليسَ إلَّا السيفُ أوِ الإسلامُ كما ذلكَ الحكمُ في أهلِ الرِدَّةِ، وقدْ سَبَى - صلى الله عليه وسلم - قبلَ ذلكَ منَ العربِ بني المصطلقِ وهوازنَ، وهلْ حديثُ ألاستبراءِ إلَّا في سبايا أوطاسٍ (٢) ، واستمرَّ هذا الحكمُ بعدَ عَصْرِهِ - صلى الله عليه وسلم - ففتحتِ الصحابةُ - رضي الله عنهم - بلادَ فارسَ والرومِ وفي رعاياهُم العربُ خصوصًا الشامُ والعراقُ ولم يبحثُوا عنْ عربيٍّ منْ عجميٍّ بلْ عمَّمُوا حُكْمَ السبي والجزيةِ على جميعِ مَنِ استَوْلَوْا عليهِ.
وبِهذَا يعرفُ أنَّ حديثَ بريدةَ كانَ بعدَ نزولِ فرضِ الجزيةِ وفرضُها كانَ بعدَ الفتحِ، فكانَ فرضُها في السنةِ الثانيةِ من الفتح عندَ نزولِ سورةِ براءةِ، ولهذا نَهى فيهِ عن الْمُثْلَة، ولم ينزلِ النَّهْيُ عنْها إلَّا بعدَ أُحُدٍ، وإلى هذا المعنَى جنحَ ابنُ القيِّمِ في الهدي (٣) ولا يخْفَى [قُوَّتُهُ] (٤) .