خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} (١) ، {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (٢) . وفي الحديث: "ثلاثٌ مهلِكاتٌ: شحٌّ مطاعٌ، وهوىً متَّبعٌ، وإعجابُ كل ذي رأيٍ برأيِه" . أخرجَهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ (٣) . وفيهِ زيادةٌ وفي الدعاءِ النبوي: "اللهمَّ إني أعوذُ بكَ منَ الهمِّ والحزَنِ - إلى قولهِ - والبخلِ" ، أخرجَهُ الشيخانِ (٤) . وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "شرُّ ما في الرجلِ شحٌّ هالِعٌ وجُبْنٌ خالِعٌ" ، أخرجَهُ البخاريُّ في التاريخِ (٥) ، وأبو داودَ (٦) عنْ أبي هريرةَ مرفُوعًا. [والآثارُ] (٧) فيهِ كثيرةٌ.
فإن قلتَ: وما حقيقةُ البخلِ المذمومِ وما منْ أحدِ إلَّا وهوَ يرى نفسَه أنهُ غيرُ بخيلٍ، وَيرَى غيرَه بخيلًا، وربَّما صدرَ فعلٌ منْ إنسانٍ فاختلفَ فيهِ الناسُ فيقولُ جماعةٌ: إنهُ بخيلٌ ويقولُ أخرونَ: ليس بخيلَا، فماذا حدُّ البخلِ الذي يوجِبُ الهلاكَ، وما حدُّ البذلِ الذي يستحقُّ به العبدُ صفةَ السخاوةِ وثوابَها.
قلتُ: السخاءُ هوَ أنْ يؤديَ ما أوجبَ اللَّهُ عليهِ، والواجبُ واجبانِ: واجبُ الشرعِ، وهوَ ما فرضَهُ اللَّهُ تعالَى منَ الزكاةِ والنفقاتِ لمنْ يجبُ عليهِ إنفاقُه وغيرُ ذلكَ، وواجبُ المروءةِ والعادةِ. والسخِيُّ هوَ الذي لا يمنعُ واجبَ الشرعِ ولا واجبَ العادة والمروءةِ، فإنْ منعَ واحدًا منْهما فهوَ بخيلٌ لكنَّ الذي يمنعُ واجبَ الشرعِ [أشد بخلًا] (٨) ، فمنْ أعْطَى زكاةَ ماله مثلًا ونفقةَ عيالِه بطيبةِ نفسِه، ولا يتيممُ الخبيثَ منْ مالِه في حقِّ اللَّهِ، فهوَ السخي، والسخاءُ في المروءةِ أنْ يتركَ