فهرس الكتاب

الصفحة 2440 من 2551

قال الغزاليُّ (١) : والذي نظنُّه - والعلمُ عندَ اللَّهِ - أنهُ لا يحبطُ أصلُ الثوابِ ولكنَّهُ ينقصُ ويُعَاقَبُ على مقدارِ قصدِ الرياءِ، ويثابُ على مقدارِ قصدِ الثواب. وحديثُ: "أنا أَغْنَى الأغنياءِ عن الشركِ" (٢) محمولٌ على ما إذا تساوَى القصدانِ، أوْ كان قصدَ الرياءِ أرجحُ. وأما المراءَى بهِ وهوَ الطاعاتُ فينقسم إلى الرياءِ بأصولٍ العباداتِ، وإلى الرياءِ بأوصافها، وهوَ ثلاثُ درجات: الرياءُ بالإيمانِ، وهوَ إظهارُ كلمةِ الشهادةِ، وباطنُه مكذِّبُ فهوَ مخلَّد في النارِ في الدركِ الأسفلِ منها، وفي هؤلاء أنزلَ اللَّهُ تعالَى {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} (٣) الآية. وقريبٌ منْهم الباطنيةُ الذينَ يُظْهِرونَ الموافقةَ في الاعتقادِ ويبطنونَ خلافَه، ومنْهمُ الرافضةُ [أهل التُّقْيةِ] (٤) الذينَ يظهرونَ لكل فريقٍ أنَّهم منهمْ تُقْيَةً. وإلى الرياء بالعباداتِ كما قدمنا، وهذا إذا كان الرياءُ في أصلِ المقصِدِ، وأما إذا عرضَ الرياءُ بعدَ الفراغِ منْ فعلِ العبادةِ لم يؤثرْ فيهِ إلَّا إذا ظهرَ العملُ للغيرِ وتُحُدِّثَ بهِ. وقدْ أخرجَ الديلمي (٥) مرفُوعًا: "إنَّ الرجلَ يعمل عملًا سِرًا [فيكتبُه الله عندَه] ، (٦) سِرًّا، فلا يزالُ بهِ الشيطانُ حتَّى يتكلَّمَ بهِ فيُمْحَى منَ السرِّ ويكتبُ علانيةً، فإنْ عادَ تكلَّمَ الثانيةَ مُحِيَ منَ السرِّ والعلانيةِ وكُتِبَ رياءً" .

وأما إذا قارنَ باعِثُ الرياءِ باعِثَ العبادةِ ثمَّ ندمَ في أثناءِ العبادةِ فأوجبَ [البعضُ] (٧) منَ العلماءِ الاستئنافَ لعدمِ انعقادِها. وقالَ بعضُهم: يلغُو جميعَ ما فعلَه إلا التحريمَ. وقالَ بعضهم: يصحُّ لأنَّ النظرَ إلى الخواتمِ كما لو ابتدأ بالإخلاصِ وصحبَه الرياءُ منْ بعدِه. قال الغَزاليُّ (٨) : والقولانِ الآخرانِ خارجانِ عنْ [قياسِ] (٩) الفقهِ. وقدْ أخرجَ الواحديُّ (١٠) في أسبابِ النزولِ جوابَ جندبِ بن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت