ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم، قال: فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه"ولا نضرب أحدًا من المسلمين"شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، قبلنا عليه الأمان، فإن نحن خلفنا في شيء مما شرطناه لكم ووظَّفنا (أي ألزمناه) على أنفسنا فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق) ذكره ابن كثير في تفسيره (سورة التوبة) .
الشرط الثاني: الجزية
تعريفها:
الجزية مشتقة من الجزاء، وهي"مبلغ من المال يوضع على من دخل في ذمة المسلمين وعهدهم من أهل الكتاب".
الأصل في مشروعيتها:
والأصل في مشروعيتها قول الله تعالى:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون"التوبة 29.
روى البخاري والترمذي عن عبد الرحمن بن عوف: أن النبي - صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هَجَر (قريبة من البحرين) .
وروى الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس البحرين وأخذها عمر رضي الله عنه من فارس، وأخذها عثمان من الفرس أو البربر.
حكمة مشروعيتها:
وقد فرض الإسلام الجزية على الذميين في مقابل فرض الزكاة على المسلمين، حتى يتساوى الفريقان، لأن المسلمين والذميين يستظلون براية واحدة، ويتمتعون بجميع الحقوق وينتفعون بمرافق ا لدولة بنسبة واحدة، ولذلك أوجب الله الجزية للمسلمين نظير قيامهم بالدفاع عن الذميين وحمايتهم في البلاد الإسلامية التي يقيمون فيها.
ولهذا تجب - بعد دفعها - حمايتهم والمحافظة عليهم، ودفع من قصدهم بأذى.
من تؤخذ منهم:
وتؤخذ الجزية من كل الأمم، سواء أكانوا كتابيين أم مجوسًا أم غيرهم، وسواء أكانوا عربًا أم عجمًا، وقد ثبت في القرآن الكريم أنها تؤخذ من الكتابيين كما ثبت بالسُّنّة أنها تؤخذ من المجوس، ومن عداهم يلحق بهم.
قال ابن القيم:"لأن المجوس أهل شرك لا كتاب لهم، فأخذها منهم دليل على أخذها من جميع المشركين وإنما لم يأخذها - صلى الله عليه وسلم من عبدة الأوثان من العرب، لأنهم أسلموا كلهم قبل نزول آية الجزية، فإنها إنما نزلت بعد غزوة تبوك، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم قد فرغ من قتال العرب، واستوثقت كلها له بالإسلام."
ولهذا لم يأخذها من اليهود الذين حاربوه، لأنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت أخذها من نصارى العرب، ومن المجوس، ولو بقي حينئذ أحد من عبدة الأوثان بذلها لقبلها منه، كما قبلها من عبدة الصلبان والأوثان والنيران.
ولا فرق ولا تأثير لتغليظ كفر بعض الطوائف على بعض، ثم إن كفر عبدة الأوثان ليس أغلظ من كفر المجوس، وأي فرق بين عبدة الأوثان والنيران، بل كفر المجوس أغلظ، وعباد الأوثان يقرون بتوحيد الربوبية، وأنه لا خالق إلا الله، وأنهم إنما يعبدون آلهتهم لتقربهم إلى الله سبحانه وتعالى ولم يكونوا يُقرون بصانعين للعالم، أحدهما خالق للخير، والآخر للشر، كما تقوله المجوس، ولم يكونوا يستحلون نكاح الأمهات والبنات والأخوات، وكانوا على بقايا من دين إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، وأما المجوس فلم يكونوا على كتاب أصلًا ولا دانوا بدين أحد من الأنبياء، لا في عقائدهم، ولا في شرائعهم.
والأثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب فرفع ورفعت شريعتهم لما وقع ملكهم على ابنته، لا يصح البتّة ولو صح لم يكونوا بذلك من أهل الكتاب، فإن كتابهم رفع وشريعتهم بطلت، فلم يبقوا على شيء منها.
ومعلوم أن العرب كانوا على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإن له صحف وشريعة، وليس تغيير عبدة الأوثان لدين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وشريعته بأعظم من تغيير المجوس لدين نبيهم وكتابهم لو صح، فإنه لا يعرف عنهم التمسك بشيء