عداه فهو القليل، وقالت الشافعية: بل الكثير ما بلغ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلالِ هَجَر (١) ؛ وذَلكَ نحوُ خمسمائَةِ رطْلٍ، عملًا بحديثِ القُلَّتَيْنِ، وما عداهُ فهُوَ القليلُ (٢) .
ووجْهُ هذا الاختلافِ تعارُضُ الأحاديثِ التي أسلفناها، فإنَّ حديثَ الاستيقاظِ، وحديثَ الماءِ الدائمِ، يقتضيانِ أن قليلَ النجاسَةِ يُنَجِّسُ قليلَ الماءِ، وكذلكَ الولوغُ، والأمرُ بإراقَةِ ما وُلغَ فيهِ، وعارضَها حديثُ بولِ الأعرابيِّ، والأمْرُ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ ماءٍ عليهِ؛ فإنهُ يقتضي أن قليلَ النجاسَةِ لا ينجِّسُ قليلَ الماءِ. ومنَ المعلومِ أنَّهُ قدْ طُهِّرَ ذلكَ الموضِعُ الذي وَقَعَ فيه بولُ الأعرابيِّ بذلكَ الذَّنوبِ.
وكذلكَ قولُهُ: "الماءُ طهور لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ" ، فقالَ الأوَّلونَ وهُمُ القائلونَ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ إلَّا ما غيَّر أحدَ أوصافه: يُجمعُ بين الأحاديث بالقول بأنه لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ كمَا دلّ لَهُ هذا اللفظُ، ودلَّ عليهِ حديثُ بولِ الأعرابيِّ، وأحاديثُ الاستيقاظِ والماءِ الدائمِ والولوغِ ليستْ واردةً لبيانِ حكمِ نجاسَةِ الماءِ، بل الأَمْرُ باجتنابها تَعَبُّدِيٌّ لا لأجلِ النجاسَةِ، وإنما هُوَ لمعنًى لا نعرفه كعدَمِ معرفتنَا لحكمةِ أعدادِ الصلوات ونحوِها، وقيلَ: بل النهيُ في هذهِ الأحاديثِ للكراهَةِ فقط. وهي طاهِرَةٌ مُطَهّرَةٌ.