قالَ: لا يستقيمُ شرْعًا أنْ يقصدَ بالزيارةَ إلَّا هذهِ البقاعَ لاختصاصِها بما اختصَّتْ بهِ منَ المزية التي شرَّفَها اللَّهُ تعالى بِها. والمرادُ منَ المسجدِ الحرامِ هوَ الحرمُ كلُّه لما رواهُ أبو داودَ الطيالسيُّ (١) منْ طريقِ عطاءٍ: "أنهُ قيلَ لهُ: هذَا الفضلُ في المسجدِ الحرامِ وحدَه أمْ في الحرمِ؟ قالَ: بلْ في الحرمِ كلِّهِ" ، ولأنهُ لما أرادَ - صلى الله عليه وسلم - التعيينَ للمسجدِ قالَ: "مسجدي هذَا" ، والمسجدُ الأقْصَى بيتُ المقدسِ، سُمِّيَ بذلكَ لأنهُ لم يكنْ وراءَهُ مسجدٌ كما قالُ الزمخشريُّ (٢) . والحديثُ دليلٌ على فضيلةِ المساجدِ هذهِ، ودلَّ بمفهومِ الحصْرِ أنهُ يحرمُ شدُّ الرحالِ لقصدِ غيرِ الثلاثةِ، كزيارةِ الصالحينَ أحياءً وأمواتًا لقصدِ التقرُّبِ، وقصد المواضعِ الفاضلةِ لقصدِ التبرُّكِ بها والصلاةِ فيها. وقدْ ذهبَ إلى هذا الشيخُ أبو محمدٍ الجوينيُّ، وبهِ قالَ القاضي عياضٌ وطائفةٌ، ويدلُّ عليه ما رواهُ أصحابُ السننِ (٣) منْ إنكارِ أبي بصرةَ الغفاريِّ على أبي هريرةَ خروجَهُ إلى الطورِ، وقالَ: لو أدركتُكَ قبلَ أنْ تخرجَ ما خرجتُ. واستدلَّ بهذا الحديثِ ووافقَهُ أبو هريرةَ. وذهبَ الجمهورُ إلى أن ذلكَ غيرُ محرَّمٍ، واستدلُّوا بما لا ينهضُ، وتأولُوا حديث الباب بتآويلَ بعيدةٍ، ولا ينبغي التأويلُ إلَّا بعدَ أنْ ينهضَ على خلافِ ما أَوَّلُوهُ الدليلُ (٤) .
وقدْ دلَّ الحديثُ على فضلِ المساجدِ الثلاثةِ، وأنَّ أفضلَها المسجدُ الحرامُ لأنَّ التقديمَ ذكرًا يدلُّ على مزيةِ المقدَّمِ، ثمَّ مسجدُ المدينةِ، ثمَّ المسجدُ الأقْصَى.
وقدْ دلَّ لِهذَا أيضًا ما أخرجهُ البزَّارُ (٥) وحسَّنه منْ حديثِ أبي الدرداء