والثالث: لا يجوزُ ذلكَ إلا بحكم [الحاكم] (١) لظاهرِ النَّهْي في الحديثِ، ولقولِه تعالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (٢) . وأُجِيبَ بأنه ليسَ أكلًا بالباطلِ. والحديثُ يُحْمَلُ فيهِ النَّهْيُ على التنزيه.
الرابعُ: لابنِ حزمٍ أنهُ يجبُ عليهِ أنْ يأخذَ بقدْرِ حقِّه سواءٌ كانَ منْ نوع ما هوَ لهُ أوْ من غيرِه، ويبيعُه ويستوفي حقَّه، فإن فَضَلَ على ما هوَ له ردَّهُ لهُ أو لورثتِه، وإن نقصَ بقيَ في ذمةِ مَنْ عليهِ الحقُّ، فإنْ لم يفعلْ ذلك فهو عاصٍ للهِ [تعالى] (٣) ، إلَّا أنْ يُحْلِلَهُ ويبرئَه فهوَ مأجورٌ، فإنْ كانَ الحقُّ الذي لهُ لا بينةَ له عليهِ وظَفَرَ بشيءٍ منْ مالِ مَنْ عندَهُ لهُ الحقُّ أَخَذَهُ، فإنْ طُولِبَ أنْكَرَ، فإن استُحلفَ حلفَ وهوَ مأجور في ذلكَ. قالَ: وهذَا هوَ قولُ الشافعيِّ (٤) ، وأبي سليمانَ (٥) ، وأصحابهما، وكذلكَ عندنَا كلُّ مَنْ ظَفَرَ لظالمٍ بمالٍ ففَرضَ عليهِ أخذَه وإنصافَ المظلومِ منْهُ، واستدلَّ بالآيتينِ وبقولِه تعالى: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) } (٦) ، وبقولِه تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) } (٧) ، وبقولِه تعالَى: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} (٨) ، وبقولِه تعالَى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (٨) ، وبقولِه - صلى الله عليه وسلم - (٩) لهندٍ امرأةِ أبي سفيانَ: "خُذِي ما يكفيكِ وولدَكِ بالمعروفِ" لما ذكرتْ لهُ أن أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ، وأنهُ لا [يعطيني] (١٠) ما يكفيني وَبَنيَّ، فهلْ عليَّ منْ جُناحٍ أنْ آخُذَ منْ مالِه شيئًا؟ ولحديثِ البخاريِّ (١١) :