أنَّ الذَّكَرَ يُقْتَلُ بالأُنْثَى وهوَ أقْوَى منْ مفهومِ الآيةِ. وذهبتِ الهادويةُ إلى أن الرجلَ يقادُ بالمرأةِ [وتُوَفَّى] (١) ورثَتُه نصفَ دِيَتِه، قالُوا: لتفاوتهمَا في الدِّيةِ، ولأنهُ تعالَى قالَ: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} (٢) .
وَرُدَّ بأنَّ التفاوتَ في الدِّيةِ لا يوجبُ التفاوتَ في النفسِ، ولذَا يُقْتَلُ عبدٌ قيمتُه ألفٌ بعبدٍ قيمتُه عشرونَ. وقد وقعتِ المساواةُ في القصاصِ لأنَّ المرادَ المساواة في الجرح أنْ لا يزيدَ المقتصُّ على ما وقعَ فيهِ منَ الجرحِ.
المسألةُ الثالثةُ: أنْ يكونَ القوَدُ بمثلِ ما قَتَلَ بهِ، وإلى هذَا ذهبَ الجمهورُ وهوَ الذي يستفادُ منْ قولِه تعالَى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} (٣) ، وقولِه: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (٤) ، وبما أخرجَه البيهقيُّ (٥) [من] (٦) حديثِ البراءِ عنهُ - صلى الله عليه وسلم -: "من غرَّضَ غرَّضْنا لهُ، ومَنْ حرَّقَ حرَّقناهُ، ومنْ غرَّق غرَّقْناهُ" ، أي منِ اتخذهُ غرَضًا للسِّهام، وهذا يُقَيَّدُ بما إذا كانَ السببُ الذي قُتِلَ بهِ يجوزُ فعلُه، وأما إذا كانَ لا يجوزُ فعله كمنْ قُتِلَ بالسحرِ فإنهُ لا يُقْتَلُ بهِ لأنهُ محرَّمٌ وفيهِ خلافٌ، قالَ بعضُ الشافعيةِ: إذا قتلَ باللِّواطِ أوْ بإيجارِ الخمرِ إنهُ يُدَسُّ فيهِ خشبةٌ ويوجرُ الخلُّ، وقيلَ يسقطُ اعتبارُ المماثلةِ، وذهبت الهادويةُ والكوفيونَ وأبو حنيفةَ وأصحابُه إلى أنهُ لا يكونُ الاقتصاصُ إلَّا بالسَّيْفِ، واحتجُّوا بما أخرجَهُ البزَّارُ (٧) وابنُ عديٍّ (٨) منْ حديثِ أبي بكرةَ عنهُ - صلى الله عليه وسلم - أنهُ قالَ: "لا قَوَدَ إلَّا بالسَّيفِ" ، إلَّا أنهُ ضعيفٌ. قالَ ابنُ عديٍّ: طرقُه كلُّها ضعيفةٌ واحتجّوا بالنَّهْي عن المُثلةِ (٩)