الحقيقةَ كما يقولُ ولو كانَ الأمرُ على خلافِ الدَّعْوى لكانَ مفتريًا علَى اللهِ أنّهُ يعلمُ صدقَهُ، فلمّا كانتْ بهذهِ [المثابةِ] (١) العظيمةِ هَابها المؤمِنُ بإيمانِهِ وعظَمة شأنِ اللهِ تعالى عندَهُ أن يَحْلفَ بهِ كاذِبًا، وهَابها الفاجِرُ لِمَا يراهُ منْ تعجيلِ عقُوبة اللهِ تعالى لمنْ حلفَ يمينًا فاجرةً، فلمَّا كانَ لليمينِ هذا الشأنَ صلحتْ للهجومِ على الحكمِ كشهادةِ الشاهدِ، وقد اعتُبرتِ الأيمانُ فقطْ في اللعانِ، وفي القَسَامةِ في مقامِ الشهودِ.
وذهبَ زيدُ بنُ عليّ وأبو حنيفةَ (٢) وأصحابهُ إلى عدم الحكمِ باليمينِ والشاهدِ، مستدلينَ بقولهِ تعالَى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} (٣) ، وقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} (٤) ، قالُوا: وهذا يقتضي الحصرَ ويفيدُ مفهومُ المخالفة لا بغير ذلكَ، وزيادةُ الشاهدِ واليمين مخالفة، وزيادة الشاهد واليمين تكونُ نسخًا لمفهومِ المخالفةِ.
وأُجِيْبَ عنهُ بأنهُ على تقديرِ اعتبارِ مفهومِ المخالفةِ يصحُّ نسخهُ بالحديثِ الصحيحِ أعني حديثَ ابن عباسٍ. واستدلُّوا بقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "شاهداكَ أو يمينُه" (٥) . وأُجِيْبَ بأنَّ هذا الحديثَ صحيحٌ، وحديثُ الشاهدِ واليمينِ صحيحٌ يُعْمَلُ بهمِا في منطوقِهمَا، ومفهومُ أحدهما لا يقاومُ [صريح] (٦) الآخرِ.
هذا وفي سنن أبي داودَ (٧) أنهُ قالَ سلمةُ في حديثهِ: قالَ عمرٌو (في الحقوقِ) يريدُ أن عمرَو بنَ دينارِ [راوي الحديث] (٨) عن ابنِ عباسٍ خصَّ الحكمَ بالشاهدِ واليمينِ [بالحقوقِ] (٩) . [واليمين في الحقوق دون الحدود ونحوها] (١٠) .