فهرس الكتاب
ومسألة القدر هي من المسائل التي لو تأمل فيها الإنسان واستكثر منها لازداد حيرة؛ لأن كثيرًا من حكمتها موكولة إلى الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول أبو حنيفة: هذا باب أقفل وضاع مفتاحه، ويقول ابن تيمية رحمه الله: ما من أحد من الناس إلا وفي قلبه حسكة من هذه المسألة، يعني: أنه يصل إلى حد يتحير لا يجد من ذلك جوابًا، والسبب في هذا أن عقل الإنسان هو حاسة إدراك كسمعه وبصره، فالبصر كلما تأمل الإنسان في شمس الظهيرة ازداد ألمًا وتحيرًا للسعة الشمس بعينيه، وكذلك العقل؛ لأن ثمة معلومات إذا تأمل فيها الإنسان وركز فيها يأتيه شيء من الانقباض والانكماش؛ لأنه لا يستطيع أن يستوعب، وكذلك أيضًا سمع الإنسان لا يستطيع أن يسمع كل صوت، بل له حد، وكذلك حاسة الإنسان ليس له أن يتحسس كل شيء فثمة فشيء يحرقه، إذًا: ثمة قدرة للإنسان في الاستيعاب فينبغي أن يؤمن بما لا يدركه، وأن يكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يؤمن بضعفه. والذين تحيروا في هذا الباب من الفلاسفة الأوائل مثل أرسطو وأفلاطون وسقراط وغيرهم، ومن جاء بعدهم من الفلاسفة المنتسبين للإسلام كابن سيناء والفارابي والكندي وابن رشد وغيرهم ممن يسمون بالمشائين، الذين يسلكون طريقة أرسطو في هذا الباب، فهؤلاء دخلوا في باب التحير، ودخلوا في موج يريدون أن يستوعبوه في عقولهم، وعقولهم دون ذلك بكثير. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال: حدثنا سفيان، ح وحدثنا أحمد بن صالح المعنى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع طاوسًا يقول: سمعت أبا هريرة يخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، تلومني على أمر قدره علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى) ، قال أحمد بن صالح عن عمرو عن طاوس أنه سمع أبا هريرة.