قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجةحدثنا مسدد بن مسرهد، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان قال: (قيل له: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل، لقد نهانا صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وألا نستنجي باليمين، وألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو عظم) .حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: حدثنا ابن المبارك عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرِّمة) ] .مقام النبوة أعظم، ومع ذلك قال: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد) ، والمراد بذلك أمور: منها: أن مثل هذه المواضع وهذه الأشياء تتعلق بالأبوين، ويستحى من إظهارها، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام تلطيفًا للنفوس وتقريبًا أنه بمنزلة الوالد، وإلا فمقام النبوة من جهة الأصل أعظم وأشرف من أي لقب، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لما كانت مثل هذه الأمور إنما تخص الإنسان بتربية أهله ووالديه له أراد أن يبين ذلك الأمر. وفي هذا تلطف النبي عليه الصلاة والسلام وتودده لأصحابه، واحترام نفوسهم ومشاعرهم ألا يأتي ببيان حكم من خصائصهم إلا بمقدمة تبين رحمته وشفقته وقربه منه؛ ولهذا إذا أراد الإنسان أن يخاطب أحدًا من الناس بشيء خاص فيقول له: أنا كالأخ لك وكالوالد؛ لأن فتح أمثال هذه الأمور ربما تنفر الإنسان، وربما يقول الإنسان ما سبب صلة الناس بهذا الشيء؟ وما علاقة فلان بمثل هذا القول؟ فإذا لطف الأمر بقوله: أنا بمنزلة الوالد، أو بمنزلة الأخ، أو بمنزلة الصديق ..