والهجران في ذلك على مراتب، الأصل فيه أنه لا يشرع إلا إذا غلب ظن الإنسان أنه ينفع، فإذا غلب على ظنه أنه ينفع باعتبار أن لك أثرًا عليه كالأب لابنه، وكذلك السيد على من كان دونه، والأخ الأكبر على من دونه، أو العالم على من دونه ونحو ذلك، يرى أن الأثر عليه، أو من له فضل عليه يمتن باعتبار أنه لو هجره أثر فيه، وأما الهجر الذي لا يؤثر بل يزيد الإنسان تمردًا فالشريعة جاءت باحتواء هذا ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما كان في مكة والناس في طغيان، كان يدعوهم ويعاندون لذلك ما هجرهم؛ لأنههم يتمنون الهجران وأن النبي عليه الصلاة والسلام يدعهم ولا يقرب مجالسهم؛ ولهذا نقول: هجران المذنب والضال وصاحب الخطأ يكون بحسب المصلحة القائمة، وأما إذا غلب على ظن الإنسان أن هذا الرجل بهجرانه لا يرتدع، وبقربه لا ينتفع، ما الذي يفعل؟ نقول: إذا كان بكفاية شره ألا يقربك بهجرانه حينئذ يقال: يهجر حتى لا يدنو منك فيفسد عليك دينك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا) ] .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن قال: حدثنا ابن وهب عن سليمان بن بلال عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه) ] .