كذلك علو إسناده بالنسبة للزمن الذي عاش فيه المصنف رحمه الله، وكذلك عنايته المصنف في أبواب العلل، فنفسه يظهر في التعليل كثيرًا عقب الأحاديث، ومن جمع أقوال المصنف وآرائه التي يذكرها، وفي إيراد الطرق في غيرها، ككتابه المراسيل، وكذلك فيما يتكلم به في الرجال سواء ما ينقله الآجري عنه أو غيره من الأئمة، فنجد أن هذا الإمام هو إمام جليل يصاف أو يقارب الأئمة الكبار كأحمد وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم، وإن كان دونهم من جهة التفرغ للكلام في هذا الباب، فلهم أبواب في التصنيف في هذا الباب، إلا أنه دوّن شيئًا من ذلك في بعض المصنفات، ككتاب التفرد له. وأعظم كتابين لهذا الإمام هو كتاب السنن، والثاني: كتاب المراسيل، ومنهم من يلحقه في آخر السنن، ومنهم من يجعله مفردًا، فالدمج بين هذين الكتابين لمعرفة نفس المؤلف -رحمه الله- من الأمور المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعرفها، فربما أخرج في كتابه الحديث مسندًا، وأخرجه مرسلًا في كتابه المراسيل، وكأنه يريد بذلك إعلال المتصل الموصول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمرسل، وكذلك فإن نفسه في الكلام على الرواة ظاهر كما في كتابه السنن هنا. وهذا الكتاب كغيره من كتب السنن له روايات متعددة، وحدث به المصنف رحمه الله في مجالس، وأخذ عنه جماعة من الرواة.
كان لأبي داود جملة من الرواة الذين رووا كتاب السنن عنه، ومن هؤلاء الرواة: أبو بكر محمد بن بكر بن محمد بن داسة وهو آخر من عرض عليه كتابه السنن، ونسخته وروايته هي أشمل وأوسع هذه الروايات، وكذلك منها رواية اللؤلؤي عليه رحمة الله، ورواية الأعرابي، ورواية الرملي، ورواية أبي الحسن بن العبد، فهذه الروايات هي أشهر الروايات وعليها المدار عند المتأخرين ممن صنف في هذا الباب ودون في كتاب الأطراف.