وهذا في حكم الصلاة، النبي عليه الصلاة والسلام كره أن يقوم الناس خلفه وهو جالس، فكيف في غير الصلاة؟ فإنه أولى بالكراهة، أن الإنسان يقوم على رأسه أحد أو نحو ذلك، فهذا مما يكره؛ لأنه يغرس في نفس الإنسان أو السيد الكبر والتعظيم الزائد الذي ينهى عنه، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وهو في صلاة، فكيف بغيرها. وينبغي للإنسان أن يكره ذلك ولو وجد عنده خادم أن يقف على رأسه أن يجلسه، إلا لمصلحة كمصلحة الطعام، والقيام في أمر الناس ونحو ذلك، لا لأجل التعظيم، مع وجوب القيام، وكونه ركنًا في الصلاة، جعل النبي عليه الصلاة والسلام المأموم يكون جالسًا كحاله، لأن نفي هذا الأمر أعظم، ومفسدته على الإنسان وعلى الناس أظهر، وكذلك يُنهى أن يوطئ عقب الإنسان، يعني: أن يمشي الناس خلفه، ويعتاد هذا، فإن هذا مما يورث في الناس الكبر، وإن لم يورث هذا الأمر في المرة الأولى، الثانية، الثالثة، وهي خيوط تنسج في القلب حتى تتمكن، فيتكبر الإنسان على غيره من حيث لا يشعر. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: اللهم ربنا لك الحمد أفهمني بعض أصحابنا عن سليمان. حدثنا محمد بن آدم المصيصي قال: حدثنا أبو خالد عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) . بهذا الخبر، زاد: (وإذا قرأ فأنصتوا) ، قال أبو داود: وهذه الزيادة: (وإذا قرأ فأنصتوا) ليست بمحفوظة الوهم عندنا من أبي خالد. حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو جالس فصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا) .