ومن القرائن التي تدل على أن صلاة العشاء في وقت اضطرارها تنتهي إلى صلاة الفجر أن جميع الصلوات الخمس قد دل الدليل على أنها تنتهي بشيء بين وأمارة بينة، فصلاة الفجر تنتهي بطلوع الفجر، وصلاة الظهر مع صلاة العصر امتداد الظل في ذلك بمقياس بين معلوم يعرفه أدنى الناس، وصلاة العصر بغروب الشمس وهذا معلم بين، لكن انتهاء صلاة العشاء ليس ثمة شيء بين، فربطها بالأمر البين أولى من أمر ليس بمحدود، ولهذا نقول: إن وقت الاختيار هو ما دل عليه الدليل، هو أن يصلي الإنسان الصلاة إلى ثلث الليل، وأما الاضطرار فإنها تكون إلى صلاة الفجر، وهذا ما صح عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن سلمة المرادي قال: حدثنا ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثي أن ابن شهاب أخبره أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدًا على المنبر فأخر العصر شيئًا فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل صلى الله عليه وسلم قد أخبر محمدًا صلى الله عليه وسلم بوقت الصلاة، فقال له عمر: اعلم ما تقول: فقال: عروة سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (نزل جبريل صلى الله عليه وسلم فأخبرني بوقت الصلاة فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، يحسب بأصابعه خمس صلوات، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر حين تزول الشمس، وربما أخرها حين يشتد الحر، ورأيته يصلي العصر والشمس مرتفعة بيضاء قبل أن تدخلها الصفرة، فينصرف الرجل من الصلاة، فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس، ويصلي العشاء حين يسود الأفق، وربما أخرها حتى يجتمع الناس، وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إلى أن يسفر) .