فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وكرر في موضع آخر الطعن في عصمة رسول الله صلي الله عليه وسلم، في البلاغ، وفى عصمته من الشرك، ومن تسلط الشيطان عليه، بتفسير آيات النهى عن الشرك، والنهى عن اتخاذ إله آخر مع الله عز وجل، بأنها خطاب من الله عز وجل لرسوله مرة ثانية عن قصة الغرانيق، وكأن حال لسانه يقول: قصة الغرانيق صحيحة، وبصحتها أشرك رسول الله، واتخذ إلهًا آخر، وتأمل كلامه بعد أن سبقه بذكر الآيات التالية قوله تعالى: ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين { ( [6] ) وقوله سبحانه: } ولا تدع مع الله إلهًا آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون { ( [7] ) يقول:"فمن معانى الآيات … يتبين أن الله تعالى يكلم الرسول مرة أخرى عن قصة الغرانيق، وأن شفاعتهن لترجى، ويوضح له كيف ألقاها الشيطان إلى لسانه، فأدخلها الرسول خطأ في القرآن، إلى أن أتى جبريل، ونبهه على الموضوع، فنسخ تلك الآيات وأتى بدلًا عنها بخير منها: } أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثلاثة الأخرى. ألكم الذكر وله الآنثى { ( [8] ) وبين الله تعالى أسباب ذلك في الآية: } وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ( [9] ) "
ويحاول بعض الشيعة الطعن في السنة النبوية وأهلها، وعلى رأسهم الإمام البخارى وصحيحه بإيهام القارئ أن فرية الغرانيق موجودة في صحيح البخارى. إذ يقول جعفر مرتضى العاملى بعد أن ذكر فرية الغرانيق قال:"وأضاف البخارى سجود الإنس والجن إلى مجموع المسلمين والمشركين…" ( [1 ] ) ويكذب أحمد حجازى السقا ( [11] ) قائلًا:"فما تقول في قصة الغرانيق المروية في كتب الصحاح" ( [12] ) ولم يبين لنا ما هى كتب الصحاح التى روت تلك الفرية؟!
ويجاب عن هذه الفرية، وما اشتملت عليه من افتراءات أخرى بما يلى:
أولًا: إن هذه الأقصوصة المختلقة تنافى ما هو مقطوع به من عصمة رسول الله صلي الله عليه وسلم، في عقيدته من الشرك والشك والضلال والغفلة، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، وكذا عصمته من الخطأ والسهو في أمر التبليغ، وهو ما قام عليه إجماع الأمة، والأدلة القطعية من الكتاب والسنة، والسيرة العطرة، على ما سبق تفصيله ( [13] )
ثانيًا: قيام الأدلة القطعية من القرآن الكريم على بطلانها، وأقرب دليل يشير إلى فساد هذه القصة ما يلى:
1-ما ذكره رب العزة في أول سورة النجم، مؤكدًا بالقسم على عصمة نبيه صلي الله عليه وسلم، في تبليغ وحيه، وأنه لا يخرج كلامه عن الحق، قال تعالى: والنجم إلى هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى { ( [14] ) فكيف ينتظم هذا مع ذكر في نفس السورة من نطقيه صلي الله عليه وسلم عن الهوى؟ بل وترديده ما يلقيه إليه الشيطان، على أنه آيات قرآنية إلهية؟! هذا مع قوله تعالى: } ولو تقول عليه بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين ( [15] ) . فها هو يتقول عليه، ولا يفعل به شيئًا؟ هل يعقل هذا؟!
وإذا كانت هذه الآيات من سورة الحاقة، قد نزلت بعد سورة النجم، فإن ذلك لا يضر؛ مادامت الآية تعطى قاعدة كلية، ولا تشير إلى قضية خارجية خاصة، والقاعدة الكلية هنا: عصمته صلي الله عليه وسلم فيما يبلغ عن ربه عز وجل
2-ما جاء في نفس السورة بعد الموضع الذى زعموا أنه ذكرت فيه الفرية من ذم أصنام المشركين"مناة، واللات، والعزى"والإنكار على عابديها، وجعلها أسماء لا مسمى لها، وأن التمسك بعبادتها أوهام وظنون. قال تعالى: إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ( [16] )
فلو أن القصة صحيحة لما كان هناك تناسب بينها، وبين ما قبلها وما بعدها، ولكان النظم مفككًا، والكلام متناقضًا. وكيف يطمئن إلى هذا التناقض السامعون، وهم أهل اللسان والفصاحة، وأصحاب عقول لا يخفى عليها مثل هذا، ولاسيما أعداؤه الذين يلتمسون له العثرات والزلات
فلو أن ما روى كان واقعًا لشغب عليه المعادون له، ولارتد الضعفاء من المؤمنين، ولثارت ثائرة مكة، ولاتخذ منه اليهود بعد الهجرة متكئًا يستندون إليه في الطعن على النبى صلي الله عليه وسلم، والتشكيك في عصمته، ولكن شيئًا من ذلك لم يكن
3-إن بعض الروايات الواردة في القصة ذكرت أن فيها نزل قوله تعالى: وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا ( [17] )