فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ) (2) .
وبعد هذه الوقفة الكاشفة الشافية نعود إلى ما قاله النحاة والمفسرون في توجيه مجىء الفعل المجزوم مردوفًا على الفعل المنصوب في الآية الكريمة ، التى اتخذ منها الذين في قلوبهم زيغ وسيلة للطعن في القرآن ، ابتغاء الفتنة:
وجّه الإمام الزمخشرى مجئ الفعل"وأكن"مجزومًا مردوفًا على الفعل المنصوب"فأصدق"بأن قوله تعالى"لولا أخرتنى.."فى محل جزم لتضمنه معنى الشرط ، فكأنه قيل: إن أخرتنى أصدقْ وأكن من الصالحين (3) .
وكذلك قال ابن عطية (4) ، وأبو على الفارسى (5) .
الخلاصة:
لم تكن هذه القراءة هى الوحيدة في جزم الفعل"أكن"فقد قرأه أبو عمرو"وأكون"بالنصب عطفًا على"فأصدق".
ونرى أن التوجيه بأن هذا الفعل مجزوم على تضمن عبارة التمنى"لولا أخرتنى إلى أجل قريب"أو على الشرط المقدر ب-"إن أخرتنى"هو توجيه سديد ، وقد سبق إلى القول به علمان من أئمة النحو ، هما الخليل وسيبويه (6) .
والذى سوَّغ إيثار عبارة التمنى"لولا أخرتنى"على الشرط الصريح"إن أخرتنى"أن قائل هذه العبارة يقولها في ساعة يملكه فيها اليأس من التأخير وهى ساعة حضور الموت ، والتمنى كما نعلم يستعمل في طلب المحال أو المتعذر ، أما الشرط فيستعمل في الأمور التى لا استحالة فيها ولا تعذر. فهو إذن من تبادل الصيغ وإحلال بعضها محل بعض لداع بلاغى. وقرينة إرادة الشرط من عبارة التمنى هو جزم الفعل"أكن"وسره البلاغى أن من حضرته الوفاة وهو مقصر في طاعة الله تدفعه شدة الحاجة التى نزلت به إلى طمعٍ من نوع ما ، مما هو مستحيل أو متعذر الوقوع. ومما تقدم يظهر لنا استقامة العبارة القرآنية وبُعْدها عن كل خلل ، ووفاؤها بالمعنى المراد نحوًا وبيانًا.
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذى استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) (1) .
ذكروا هذه الآية ، ووقفوا عند قوله تعالى: (الذى استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ) (ذهب الله بنورهم (وعلقوا عليه قائلين: وكان يجب أن يجعل الضمير العائد على المفرد مفردًا ، فيقول:"استوقد ـ ذهب الله بنوره"!.
الرد على
الشبهة:
هذه الآية مضروبة مثلًا لبيان حال المنافقين في تذبذب أحوالهم وتقلبهم في مواقفهم ، وانتهازهم الفرص السانحة لتحقيق أغراضهم الدنيوية. وعدم ثباتهم على مبدأ خلقى قويم ، وقد تقدم على هذه الآية آية أخرى تصف سعيهم الضال ، وإيثارهم منافع الدنيا العاجلة الفانية ، على ما عند الله ـ عز وجل ـ مقضيًا عليهم بالخسران المبين ، وهى قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ) (2) .
ثم استأنف القرآن الحديث عنهم فى: (مثلهم كمثل الذى استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (.
والمثل ـ بفتح الثاء ـ هو الشأن والقصة الغريبة التى يكون عليها المتحدث عنه ، وهو ـ هنا ـ المنافقون ، مَثَّلَ الله حالهم وشأنهم الذى هم عليه ، وقصتهم الغريبة الراسخة في طباعهم بمثل رجل ، أو فريق من الناس طلب إيقاد نارٍ للانتفاع بها في تحقيق الرؤية ، وإبصار الطريق للسير فيه ، فلما أضاءت النار ما حوله وفرح بها سرعان ما أطفاها الله فأظلمت عليه الدنيا ، فوقع في حيرة وارتباك.
وجمع الضمير فى"بنورهم"ليس عائدًا على"الذى"المفرد المذكور في (كالذى استوقد نارًا (، وقد وجَّه النحاة جمع الضمير بعد"الذى"فقالوا: إن الذى ليس بمعنى المفرد ، بل هو بمعنى"الذين"وذكروا أن"الذى"فى الاستعمال اللغوى له معنيان:
الأول: أن يكون بمعنى المفرد ، وهو الغالب والكثير فيه.
والثانى: أن يكون بمعنى الجمع ، ويُفرَّق بينهما بالقرائن ، ففى الآية التى معنا:"الذى"بمعنى الفريق أو الفوج الذى استوقد النار.
هذا رأى في توجيه رد الضمير جمعًا على"الذى"وقد عبروا عن هذا بقولهم: أراد بالذى جنس المستوقد ، لا فردًا معينًا (3) .
ويرى الإمام الزمخشرى أن"الذى"هو ـ هنا ـ"الذين"حذفت منه"النون"لاستطالته ، وهو مثل"وخضتم كالذى خاضوا"وليس في الكلام تشبيه الجماعة بالواحد على هذا التأويل ، وأن المشبه هو حال المنافقين ، بحال الذى استوقد نارًا. تشبيه معنى مركب بمعنى مركب ، وليس تشبيه ذوات المنافقين بذات الذى استوقد نارًا ، فهذا غير مقصود ، وإنما المقصود هو تشبيه قصة المنافقين المضروب لها المثل ، بقصة المستوقد للنار ، وأن وجه الشبه بين القصتين هو:"فبقوا خابطين في ظلام ، متحيرين متحسرين على فوت الضوء ، خائبين بعد الكدح في إحياء النار" (4) .
ويقول الإمام الشوكانى: