فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
تأليف / محمد ناصر الدين الألباني
الطبعة الثالثة ( طبعة جديدة ومصححة )
1417 - ه - 1996 م
المكتب الإسلامي
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي اصطفى نبينا على سائر البشر وعصمه من الشيطان أن يوحي إليه بشر فقال تعالى مخاطبا إبليس اللعين: ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ) [ الحجر: 42 ] بل جعل تعالى له السلطة على شيطانه القرين فكيف من كان عنه من المبعدين ؟ . كما أشار إلى ذلك قول رسوله الكريم:"ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن"قالوا: وإياك يا رسول الله ؟ قال:"وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير" ( 1 ) وصلى الله على محمد الذي مكنه الله تعالى من إبليس حتى كاد أن يخنقه وهم أن يربطه بسارية من سواري مسجد المدينة ( 2 ) وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين
وبعد فقد كتب إلى بتاريخ 14 / 7 / 1952 م بعض الأستاذة
( 1 ) أخرجه أحمد ( رقم 3647 ، 3778 ، 3801 ، 4393 ، ] طبعة المكتب الإسلامي ] ومسلم( 8 / 139 ) عن ابن مسعود
( 2 ) جاء ذلك في"صحيح البخاري" ( 3 / 62 ) بشرح ابن حجر ومسلم ( 2 / 72 ) وغيرهما
من الإخوان الأعزة من الباكستان حيث أوفد إليها لغاية علمية يسألني عن رأيي في حديث الغرانيق الذي اختلف فيه قول حافظين كبيرين هما: ابن كثير الدمشقي وابن حجر المصري فقد أنكره الأول وقواه الآخر . وطلب مني أن لا أضن بالجواب عليه فلبثت بعض الأشهر أترقب فرصة أستطيع فيها إجابة طلبه . ثم لقيني أحد الأحبة عقب صلاة عيد الأضحى لهذه السنة 1371 ه فسألني أيضا عن حديث الغرانيق فأجبته بأنه لا يصح بل هوباطل موضوع فذكر لي أن أحد الشباب ممن في قلوبهم مرض احتج به على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان وحاشاه يتكلم بما يرضي المشركين جذبا لهم إليه لأنه بزعمه الباطل لم يكن نبيا صادقا وإنما كان يتظاهر بذلك ترؤسا عليهم كما يهرف بذلك بعض الملاحدة قديما وحديثا فحملني ذلك على أن اغتنم فرصة العيد المذكور فشرعت متوكلا على الله الغفور في جمع طرق تلك القصة من كتب التفسير والحديث وبينت عللها متنا وسندا ثم ذكرت قول الحافظ ابن حجر في تقويتها وتعقبته بما يبين وهي ما ذهب إليه ثم عقبت على ذلك بذكر بعض البحوث والنقول عن بعض الأئمة الفحول ذوي التحقيق في الفروع والأصول تؤيد ما ذهبنا إليه من نكارة القصة وبطلانها ووجوب رفضها وعدم قبولها تصديقا لقوله تعالى: ( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ) [ الفتح: 9 ]
فجاءت رسالة فريدة في بابها قوية في موضوعها ترفع حيرة الأخ المؤمن وتطيح بشبهة الملحد الأرعن وقد سميتها:
أسأل الله تعالى أن يجعلها خالصة لوجهه ويقبلها مني نصرة لنبيه ويدخر لي ثوابها ليوم أحوج ما نكون فيه إلى شفاعته ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) [ الشعراء: 88 89 ] إنه هوالسميع العليم والبر الرحيم
دمشق في: 2 1 1372 ه
2191952 - 52 م
محمد ناصر الدين الألباني
بين يدي الروايات
وقبل أن أشرع في سوق روايات القصة أرى أنه لا بد من أن نذكر كلمة تتميما لفائدة الرسالة فأقول:
إن هذه القصة قد ذكرها المفسرون عند قوله تعالى: ( ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلآ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ءاياته والله عليم حكيم( 52 ) ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ( 53 ) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين ءامنوا إلى صراط مستقيم ( 54 ) [ الحج ]
وقد اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ( تمنى ) و ( أمنيته ) وأحسن ما قيل في ذلك: إن ( تمنى ) من"الأمنية"وهي التلاوة كما قال الشاعر في عثمان رضي الله عنه حين قتل:
تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر
وعليه جمهور المفسرين والمحققين وحكاه ابن كثير عن أكثر
المفسرين بل عزاه ابن القيم إلى السلف قاطبة فقال في"إغاثة اللهفان ( 1 / 93 ) :"
والسلف كلهم على أن المعنى إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته
وبينه القرطبي فقال في"تفسيره" ( 12 / 83 ) :
وقد قال سليمان بن حرب: إن ( في ) بمعنى: عند أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم كقوله عز وجل: ( ولبثت فينا ) ( الشعراء: 18 ) أي عندنا وهذا هومعنى ما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق وإليه أشار القاضي أبوبكر بن العربي
قلت: وكلام أبي بكر سيأتي في محله إن شاء الله تعالى وهذا الذي ذكرناه من المعنى في تفسير الآية هواختيار الإمام ابن جرير حيث قال بعد ما رواه عن جماعة من السلف ( 17 / 121 ) :
وهذا القول أشبه بتأويل الكلام بدلالة قوله تعالى: ( فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ءاياته ) [ الحج: 52 ] على ذلك لأن الآيات التي أخبر الله جل ثناؤه أنه يحكمها لا شك أنها آيات تنزيله فمعلوم بذلك أن الذي ألقى فيه الشيطان هوما أخبر تعالى ذكره أنه نسخ ذلك منه وأبطله ثم أحكمه بنسخه
ذلك منه فتأمل الكلام إذن: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله وقرأ أوحدث وتكلم ألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه أوفي حديثه الذي حدث وتكلم فينسخ الله ما يلقي الشيطان بقوله تعالى: فيذهب الله ما يلقي الشيطان من ذلك على لسان نبيه ويبطله
هذا هوالمعنى المراد من هذه الآية الكريمة وهي كما ترى ليس فيها إلا أن الشيطان يلقي عند تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم ما يفتتن به الذين في قلوبهم مرض ولكن أعداء الدين الذين قعدوا له في كل طريق وترصدوا له عند كل مرصد لا يرضيهم إلا أن يدسوا فيه ما ليس منه ولم يقله رسوله فذكروا ما ستراه في الروايات الآتية مما لا يليق بمقام النبوة والرسالة وذلك ديدنهم منذ القديم كما فعلوا في غير ما آية وردت في غيره صلى الله عليه وسلم من الأنبياء كداود وسليمان ويوسف عليهم الصلاة والسلام فرووا في تفسيرها من الإسرائيليات ما لا يجوز نسبته إلى رجل مسلم فضلا عن نبي مكرم . كما هومبين في محله من كتب التفاسير والقصص
فحذار أيها المسلم أن تغتر بشيء منها فتكون من الهالكين و
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"كما قال نبيك صلى الله عليه وسلم ( وإن الله لهاد الذين ءامنوا إلى صراط مستقيم ) [ الحج: 54 ] "
روايات القصة وعللها
بعد أن فرغنا من ذكر الفائدة التي وعدنا بها أعود إلى ذكر روايات القصة التي وقفنا عليها لكي نسردها رواية رواية ونذكر عقب كل منها ما فيها من علة فأقول:
1 -عن سعيد بن جبير قال:"لما نزلت هذه الآية: ( أفرءيتم اللات والعزى ) ( النجم: 19 ) قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى"فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المشركون: إنه لم يذكر آلهتهم قبل اليوم بخير فسجد المشركون معه فأنزل الله: ( ومآ أرسلنا من قبلك من رسول . . ) إلى قوله: ( عذاب يوم عقيم ) ( الحج: 52 55 ) "
أخرجه ابن جرير ( 17 / 120 ) من طريقين عن شعبة عن أبي بشر عنه وهوصحيح الإسناد إلى ابن جبير كما قال الحافظ على ما يأتي عنه وتبعه السيوطي في"الدر المنثور" ( 4 / 366 ) وعزاه لابن المنذر أيضا وابن مردويه بعد ما ساقه نحوه بلفظ:"ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى"الحديث وفيه:
"ثم جاءه جبريل بعد ذلك قال: اعرض علي ما جئتك به فلما بلغ:"تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى"قال جبريل: لم آتك بهذا هذا من الشيطان فأنزل الله: ( ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) ( الحج: 52 ) . وهكذا أخرجه الواحدي في"أسباب النزول"من طريق أخرى عن سعيد بن حسن كما سيأتي"
وقد روي موصولا عن سعيد ولا يصح:
رواه البزار ( 1 ) في"مسنده"عن يوسف بن حماد عن أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسبه الشك في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بمكة سورة ( النجم ) حتى انتهى إلى قوله: ( أفرءيتم اللات والعزى ) ( النجم: 19 ) وذكر بقيته ثم قال البزار:
( 1 ) قلت: وأخرجه الطبراني في"المعجم الكبير" ( ورقة 162 وجه 2 ) من نسخة خطية في المكتبة الظاهرية تحت رقم ( 283 حديث ) ( ا ) قال: حدثنا حسين بن إسحاق التستري وعبدان بن أحمد قالا حدثنا يوسف بن حماد المعنى به وفيه:"القى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى شفاعتهم ترتجى". ورواه الضياء المقدسي في"المختارة" ( ق 120 / 1 / 2 ) من طريق الطبراني وابن مرداويه من طرق عن يوسف به
"لا نعلمه يروى متصلا إلا بهذا الإسناد تفرد بوصله أمية ابن خالد وهوثقة مشهور وإنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس"كذا في"تفسير ابن كثير" ( 3 / 129 )
وعزا الحافظ في"تخريج الكشاف" ( 4 / 144 ) هذه الرواية"للبزار والطبري وابن مردويه"وعزوه للطبري سهو فإنها ليست في تفسيره فيما علمت إلا إن كان يعني غير التفسير من كتبه وما أظن يريد ذلك ويؤيدني أن السيوطي في"الدر"عزاها لجميع هؤلاء إلا الطبري إلا أن السيوطي أوهم أيضا حيث قال عطفا على ما ذكر: والضياء في"المختارة"بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ فذكر الحديث مثل الرواية المرسلة التي نقلناها آنفا عن الدر نفسه ومحل الإيهام هوقوله:"بسند رجاله ثقات"بالإضافة إلى أنه أخرجه الضياء في"المختارة"فإن ذلك يوهم أنه ليس بمعلول وهذا خلاف الواقع فإنه معلول بتردد الراوي في وصله كما نقلناه آنفا عن"تفسير ابن كثير"وكذلك هوفي"تخريج الكشاف"وغيره وهذا ما لم يرد ذكره في سياق السيوطي ولا أدري أذلك اختصار منه أم من بعض مخرجي
الحديث ؟ ( 1 ) وأيا ما كان فما كان يليق بالسيوطي أن يغفل هذه العلة لا سيما وقد صرح بما يشعر أن الإسناد صحيح وفيه من التغرير ما لا يخفى فإن الشك لا يوثق به ولا حقيقة فيه كما قال القاضي عياض في"الشفاء" ( 2 / 118 ) وأقره الحافظ في"التخريج"لكنه قال عقب ذلك:
ورواه الطبري من طريق سعيد بن جبير مرسلا وأخرجه ابن مردويه من طريق أبي عاصم النبيل عن عثمان بن الأسود عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه ولم يشك في وصله وهذا أصح طرق الحديث . قال البزار
قلت: وقد نقلنا كلام البزار آنفا ثم ذكر الحافظ المراسيل الآتية ثم قال:
فهذه مراسيل يقوي بعضها بعضا
قلت: وفي عبارة الحافظ شيء من التشويش ولا أدري أذلك منه أم من النساخ ؟ وهوأغلب الظن وذلك لأن قوله:"وهذا أصح طرق هذا الحديث"إن حملناه على أقرب مذكور وهوطريق ابن مردويه الموصول كما هوالمتبادر منعنا من ذلك أمور:
( 1 ) ثم رأيت السيوطي قد أورده في كتابه"أسباب النزول"على الشك في رفعه فأصاب فتبين أن لا مسؤولية فيه على غيره
الأول: قول الحافظ عقب ذلك:"فهذه مراسيل يقوي بعضها بعضا"فإن فيه إشارة إلى أن ليس هناك إسناد صحيح موصول يعتمد عليه وإلا لعرج عليه وجعله أصلا
وجعل الطريق المرسلة شاهدة ومقوية له ويؤيده الأمر الآتي وهو:
الثاني: وهوأن الحافظ لما رد على القاضي عياض تضعيفه للحديث من طريق إسناد البزار الموصول بسبب الشك قال الحافظ:
أما ضعفه فلا ضعف فيه أصلا ( قلت: يعني في رواته ) فإن الجميع ثقات وأما الشك فيه فقد يجيء تأثيره ولوفردا غريبا كذا لكن غايته أن يصير مرسلا وهوحجة عند عياض وغيره ممن يقبل مرسل الثقة وهوحجة إذا اعتضد عند من يرد المرسل وهوإنما يعتضد بكثرة المتابعات
فقد سلم الحافظ بأن الحديث مرسل ولكن ذهب إلى تقويته بكثرة الطرق وسيأتي بيان ما فيه في ردنا عليه قريبا إن شاء الله تعالى
فلوكان إسناد ابن مردويه الموصول صحيحا عند الحافظ لرد به على القاضي عياض ولما جعل عمدته في الرد عليه هوكثرة الطرق وهذا بين لا يخفى
الثالث: أن الحافظ في كتابه"فتح الباري"لم يشر أدنى إشارة
إلى هذه الطريق فلوكان هوأصح طرق الحديث لذكره بصريح العبارة ولجعله عمدته في هذا الباب كما سبق
الرابع: أن من جاء بعده كالسيوطي وغيره لم يذكروا هذه الرواية
فكل هذه الأمور تمنعنا من حمل اسم الإشارة ( هذا ) على أقرب مذكور وتضطرنا إلى حمله على البعيد وهوالطريق الذي قبل هذا وهوطريق سعيد بن جبير المرسل . وهوالذي اعتمده الحافظ في"الفتح"وجعله أصلا وجعل الروايات الأخرى شاهدة له وقد اقتدينا نحن به فبدأنا أولا بذكر رواية ابن جبير هذه وإن كنا خالفناه في كون هذه الطرق يقوي بعضها بعضا
قلت: هذا مع العلم أن القدر المذكور من إسناد ابن مردويه الموصول رجاله ثقات رجال الشيخين لكن لا بد أن تكون العلة فيمن دون أبي عاصم النبيل ويقوي ذلك أعني كون إسناده معلا أنني رأيت هذه الرواية أخرجها الواحدي في"أسباب النزول" ( ص 233 ) من طريق سهل العسكري قال: أخبرني يحيى ( قلت: هوالقطان ) عن عثمان بن الأسود عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أفرءيتم اللات والعزى( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ( النجم ) فألقى الشيطان على لسانه:"تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترتجى"ففرح بذلك المشركون وقالوا: قد ذكر آلهتنا فجاء جبريل عليه السلام إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اعرض علي كلام الله فلما عرض عليه قال: أما هذا فلم آتك به هذا من الشيطان فأنزل الله تعالى: ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) الآية ( الحج: 52 )
فرجع الحديث إلى أنه عن عثمان بن الأسود عن سعيد مرسل وهوالصحيح لموافقته رواية عثمان هذه رواية أبي بشر عن سعيد
ثم وقفت على إسناد ابن مردويه ومتنه بواسطة الضياء المقدسي في"المختارة" ( 60 / 235 / 1 ) بسنده عنه قال: حدثني إبراهيم بن محمد: حدثني أبوبكر محمد بن علي المقري البغدادي ثنا جعفر بن محمد الطيالسي ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة ثنا أبوعاصم النبيل ثنا عثمان بن الأسود عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ( أفرءيتم اللات والعزى( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ( النجم ) تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترتجى"ففرح المشركون بذلك وقالوا: قد ذكر آلهتنا فجاءه جبريل فقال: اقرأ علي ما جئتك به قال: فقرأ ( أفرءيتم اللات والعزى( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ( النجم ) تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترتجى فقال: ما أتيتك بهذا هذا عن الشيطان أوقال: هذا من الشيطان لم آتك بها فأنزل الله"
( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلآ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) إلى آخر الآية""
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات وكلهم من رجال"التهذيب"إلا من دون ابن عرعرة ليس فيهم من ينبغي النظر فيه غير أبي بكر محمد بن علي المقري البغدادي وقد أورده الخطيب في"تاريخ بغداد"فقال ( 3 / 68 69 ) :
محمد بن علي بن الحسن أبوبكر المقرىء حدث عن محمود ابن خداش ومحمد بن عمرو وابن أبي مذعور . روى عنه أحمد بن كامل القاضي ومحمد بن أحمد بن يحي العطشي
ثم ساق له حديثا واحدا وقع فيه مكنيا ب ( أبي حرب ) فلا أدري أهي كنية أخرى له أم تحرفت على الناسخ أوالطابع ثم حكى الخطيب عن العطشي أنه قال:"توفي سنة ثلاثمائة"ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فهومجهول الحال وهوعلة هذا الإسناد الموصول وهوغير أبي بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم الأصبهاني المشهور بابن المقرىء الحافظ الثقة فإنه متأخر عن هذا نحوقرن من الزمان وهومن شيوخ ابن مردويه مات سنة ( 381 ) إحدى وثمانين وثلاثمائة ووقع في"التذكرة" ( 3 / 172 ) "ومائتين"وهوخطأ
فثبت مما تقدم صواب ما كنا جزمنا به قبل الإطلاع على إسناد ابن مردويه"أن العلة فيه فيمن دون أبي عاصم النبيل"
وازددنا تأكدا من أن الصواب عن عثمان بن الأسود إنما هوعن سعيد بن جبير مرسلا كما رواه الواحدي خلافا لرواية ابن مردويه عنه
وبالجملة فالحديث مرسل ولا يصح عن سعيد بن جبير موصولا بوجه من الوجوه