ولذا جاءت أحكامهم في القبول والرد متدرجة متلائمة شاملة لجميع الحالات والاحتمالات ، بدءًا من قمة الصحة فيما سموه بأصح الأسانيد وما يحفه من قرائن أخرى ، ثم باقي مراتب الصحيح ، فالحسن لذاته ، فالحسن لغيره ، إلى الضعف اليسير الذي قد يُعمل به بشروط تقوي احتمال سلامته ، ثم الضعف الشديد ، وهو الناشئ عن فحش الغلط أو الغفلة ، أو كون الراوي متهمًا بمفسق ، ثم ما هو شر من ذلك كله وهو الكذب المختلق ، الذي لا تجوز روايته إلا على سبيل التحذير منه والتنبيه على كذبه ، فكانت هذه الأحكام سُلَّمًا دقيقًا للقبول والرد ، أخذت كل درجة منه شروطها وحكمها الملائم تمامًا بكل وضوح ودقة .
كل ذلك يثبت أن منهجهم في النقد كان شاملًا لجميع جوانب الحديث ، ولكل الاحتمالات والدلائل التي تشير إلى معرفة قوته من ضعفة ، مما يجعل كل مطلع منصف يقطع بسلامة أحكامهم على الأحاديث ، وأن منهجهم في النقد كان هو السبيل الوحيد المتكامل للوصول إلى تمييز المقبول من المردود من المرويات .
المراجع:
منهج النقد في علوم الحديث د . نور الدين عتر
السنة النبوية ومكانتها في التشريع د.مصطفى السباعي
موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية الأمين الصادق الأمين
دراسات في منهج النقد عند المحدثين د.محمد على قاسم العمري
(الشبكة الإسلامية)
الرواية هي أداء الحديث وتبليغه ، مسندًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بصيغة من صيغ الأداء ، وهي نوعان:
روايةٌ باللفظ الذي سمعه الراوي دون تغيير أو تبديل ، أو تقديم أو تأخير ، أو زيادة أو نقص ، وروايةٌ بالمعنى الذي اشتمل عليه اللفظ ، بدون التقيد بألفاظ الحديث المسموعة .
والأصل في الرواية أن تكون باللفظ المسموع منه - صلى الله عليه وسلم- ، فإذا نسي الراوي اللفظ جازت الرواية بالمعنى على سبيل التخفيف والرخصة ، بضوابط معروفة يذكرها أهل العلم في هذا الباب .
ولكن يأبى المشكِّكون إلا أن يصطادوا في الماء العكر ، ويبحثوا عن أي مدخل للطعن في السنة والتشكيك فيها ، وكان المدخل في هذه المرة مسألة"رواية الحديث بالمعنى"، حيث زعموا أن جميع الأحاديث قد رواها الرواة بالمعنى لا بالألفاظ المسموعة منه - صلى الله عليه وسلم - ، وأن ذلك كان شأن الرواة في كل طبقة ، حيث يسمعون الأحاديث بألفاظ ثم يروونها بألفاظ أخرى ، وهكذا حتى انطمست معالم الألفاظ النبوية وتغيرت معانيها ، مما أدخل الضرر الكبير على الدين ، وأوجب إسقاط الثقة بهذه الأحاديث والتي تصرف الرواة في ألفاظها ، حتى غدت لا تمتُّ إلى الألفاظ النبوية بصلة .
وبذلك جعلوا رواية الأحاديث بالمعنى هو الأصل والقاعدة ، ومجيئها على اللفظ المسموع أمرًا شاذًا نادرًا ، وأنحوا باللوم والتشنيع على الذين اعتقدوا (( أن أحاديث الرسول التي يقرؤونها في الكتب ، أو يسمعونها ممن يتحدثون بها ، جاءت صحيحة المبنى محكمة التأليف ، وأن ألفاظها قد وصلت إلى الرواة مصونة كما نطق بها النبي بلا تحريف ولا تبديل ، وأن الصحابة ومن جاء بعدهم ممن حملوا عنهم إلى زمن التدوين قد نقلوا هذه الأحاديث بنصها كما سمعوها ، وأدوها على وجهها كما تلقوها ، فلم ينلها تغير ولا اعتراها تبديل ، وأن الرواة للأحاديث كانوا صنفًا خاصًا في جودة الحفظ وكمال الضبط وسلامة الذاكرة ) )- كما فعل"محمود أبو رية"- في كتابه"أضواء على السنة المحمدية".
وقال بعد أن ذكر أنه أن لبث زمنًا طويلًا يبحث وينقب حتى انتهى إلى حقائق عجيبة ، ونتائج خطيرة: (( ذلك أني وجدت أنه لا يكاد يوجد في كتب الحديث( كلها ) - مما أسموه صحيحًا ، أو ما جعلوه حسنًا- حديثٌ قد جاء على حقيقة لفظه ومحكم تركيبه . كما نطق به الرسول به . . . ، وقد يوجد بعض ألفاظ مفردة بقيت على حقيقتها في بعض الأحاديث القصيرة ، وذلك في الفلتة والندرة . . . . . )).
والقارئ لهذا الكلام إذا لم يكن من أهل العلم والمعرفة بالحديث النبوي ، يخيل إليه أن السنة لم يأت فيها حديث مروي بلفظه ، وأنه قد دخلها الكثير من التحريف والتغيير .
مع أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن رواية الحديث بلفظه المسموع منه - صلى الله عليه وسلم - هو الأصل الذي ينبغي لكل راوٍ وناقل أن يلتزمه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا ، بل قد أوجبه بعضهم ومنعوا الرواية بالمعنى مطلقًا ، وألزموا أنفسهم وغيرهم بأداء اللفظ كما سُمِع .
والذين أجازوا الرواية بالمعنى إنما أجازوها على أنها رُخْصة تقدر بقدرها ، إذا غاب اللفظ عن الذهن أو لم يتأكد منه ، لا على أنها أصل يتبع ويلتزم في الرواية .