فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومع ذلك فقد تعامل المحدثون مع هذا النوع من الأحاديث ، ووضعوا له القواعد والقوانين التي تكفل عدم وجود تعارض أو تناقض بين أقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما عرف بعلم"مختلف الحديث"، وهو علم جليل القدر ، عظيم المنفعة ، يحتاج إليه العالم والفقيه ، ولا يمهر فيه إلا من وسع علمه ودق فهمه وثقب رأيه .
وهذه القواعد والضوابط هي من صميم منهج المحدثين في النقد ، ولها اتصال وثيق ومباشر بشروط قبول الحديث نفسها ، ولذلك تفرع عنها أنواع من علوم الحديث كالشاذ والمحفوظ ، والمنكر والمعروف ، والناسخ والمنسوخ ، والمضطرب والمعلل .
فالحديث المقبول إذا عارضه حديث ضعيف طُرِح الحديث الضعيف وحكم عليه بأنه منكر ، ويكون معارضه هو المعروف .
وأما إذا عارضه حديث من رواية الثقات - ولا نسميه الآن صحيحًا - فإننا ننظر في طبيعة النصين وفي دلالتهما .
فإما أن يمكن الجمع بين الحديثين المختلفين ، وإبداء وجه من التفسير للحديث المشكل يزيل الإشكال عنه ، وينفي تعارضه مع غيره ، فيتعين المصير إليه ، وهذا هو الأكثر الأغلب في تلك الأحاديث .
ومن أمثلة ذلك في أحاديث الأحكام حديث (( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ) )، وحديث (( خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء ) )إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه .
فالأول: ظاهره طهارة القلتين تغير أم لا ، والثاني: ظاهره طهارة غير المتغير سواء أكان قلتين أم أقل ، فخُصَّ عموم كل منهما بالآخر .
ومن أمثلته في غير أحاديث الأحكام التعارض بين أحاديث إثبات العدوى كحديث (( لا يوردن ممرض على مصح ) )و (( فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد ) )وأحاديث نفيها كحديث (( لا عدوى ولا طيرة ) )وكلها صحيحة ، حيث سلك العلماء مسالك شتى للجمع بين هذه الأحاديث بما يزيل التعارض والإشكال عنها .
وأما إذا تعذر الجمع بين الحديثين فلا يخلو الأمر من أحد حالين:
الأول: أن يتبين لنا بعد استعمال التاريخ أن أحد النصين جاء بعد الآخر وحلَّ محله ، فلا تعارض أيضًا ، لأن الشارع نسخ الحكم المتقدم بالحكم المتأخر ، فيُعمَل بالناسخ ويتُْرَك المنسوخ .
والثاني: أن لا تقوم دلالة على النسخ ، فيفزع حينئذ إلى الترجيح ، ويعمل بالأرجح منهما والأقوى ، ويكون هو"الصحيح"ويسمى أيضًا"المحفوظ"، ويكون المرجوح"شاذًا"أو"معللًا"وهو المردود .
وقد عُني العلماء بأوجه الترجيح وأنواعها ، وتقصوها بجزئياتها وكلياتها حتى زادت جزئياتها على مئة وجه من أوجه الترجيح كما ذكر الإمام العراقي ، وجميعها يرجع إلى سبعة أقسام كلية ذكرها السيوطي في تدريب الراوي ، كالترجيح بحال الراوة ، ووجوه التحمل ، وكيفية الرواية ، ولفظ الخبر ، والترجيح بأمر خارجي ، إلى غير ذلك من وجوه الترجيح .
ولم يكتف العلماء بتأصيل القواعد والضوابط في هذا الباب ، بل درسوا هذه الأحاديث دراسة تفصيلية ، فتناولوا كل حديث بالشرح ، وأجابوا عن الإشكالات التي قد ترد عليه وعلى النصوص الأخرى ، وذلك في شروحهم الحافلة التي صنفوها على كتب السنة ، وأفردوا لهذا اللون من الأحاديث مؤلفات خاصة ، جمعت الأحاديث المشكلة والتي ظاهرها التعارض ، مبينين وجه الصواب فيها بما يزيل أي إشكال ، ويرد على كل متخرص ، ومن تلك المؤلفات:
-اختلاف الحديث للإمام الشافعي
-تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة
-مشكل الآثار للطحاوي
-مشكل الحديث لأبي بكر بن فَورَك
وهكذا نجد أن البحث في موضوع التعارض والتناقض قد شمل كل جوانبه ، وعالج القضية علاجًا يزيل كل توهم حول الحديث الصحيح .
المراجع:
-السنة المطهرة والتحديات د. نور الدين عتر .
-منهج النقد في علوم الحديث د.نور الدين عتر .
-السنة النبوية ومكانتها في التشريع د. مصطفى السباعي .
-الحديث والمحدثون محمد أبو زهو .
-موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية الأمين الصادق الأمين
(الشبكة الإسلامية)
بذل المحدثون جهودًا مضنية في مقاومة الوضع والافتراء على حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان من ثمار هذه الجهود نشوء مصطلح الحديث وعلومه التي وضعت القواعد والأصول لتصحيح الأخبار ونقدها نقدًا علميًا ، حتى عُدّت هذه القواعد من أصح قواعد البحث العلمي المتعلق بتوثيق الأخبار والنصوص ، وهي ميزة لا توجد في تراث أي أمة من أمم الأرض كلها ، بل حتى ولا في كتبهم المقدسة .