فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الشبهة ـ عندهم ـ هو الضمائر الثلاثة فى:
"تعزروه"ـ"توقروه"ـ"تسبحوه".
ذكروا هذا ، ثم قالوا:
"وهنا ترى اضطرابًا في المعنى ، بسبب الالتفات من خطاب محمد إلى خطاب غيره ، ولأن الضمير المنصوب في قوله"وتعزروه وتوقروه"عائد على الرسول المذكور آخرًا."
وفى قوله"وتسبحوه"عائد على اسم الجلالة المذكور أولًا. هذا ما يقتضيه المعنى ، وليس في اللفظ ما يعينه تعيينًا يزيل اللبس. فإن كان القول: وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلًا عائدًا على الرسول يكون كفرًا لأن التسبيح لله فقط ، وإن كان القول"وتعزروه وتوقروه وتسبحوه"عائدًا على الله يكون كفرًا ؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج لمن يعزره ويقويه"."
الرد على الشبهة:
لقد أطالوا ـ على خلاف عادتهم ـ في بيان هذه
الشبهة كما ترى. والسبب أنهم أرادوا أن يضيقوا علينا الخناق أو يسدوا علينا الطريق ليحكموا علينا قبضتهم ، على رأى المثل العامى"حلِّق حُوشْ"بيان ذلك أنهم يقولون لنا:
إذا جعلتم الضمائر الثلاثة عائدة على الرسول فقد كفرتم لأن الرسول بشر ، والبشر لا يجوز أن يسبحهم أحد ، لأن التسبيح لا يكون إلا لله.
وإذا جعلتم الضمائر الثلاثة عائدة على الله فقد كفرتم لأن الله غنى عن خلقه لا يحتاج منهم إلى تقوية ولا خلافه. فأين ـ إذن ـ أنتم تذهبون ؟
ونقول لهؤلاء الكارهين لما أنزل الله على خاتم رسله:
نحن ـ المسلمين ـ لا نسبح أحدًا غير الله ، ولا نعبد أحدًا غير الله ، ولا نرفع حاجاتنا إلى أحدٍ غير الله ، ولا نطلب غفران ذنوبنا من أحدٍ غير الله ، ولا نقدم كشف حساباتنا إلى أحد غير الله ، ولا نرجو ولا نخاف أحدًا غير الله. والكتاب الذى أنزله الله على خاتم رسله لا لفَّ فيه ولا دوران ، ولا قلق ولا اضطراب ، لا في مبانيه ، ولا في معانيه ، ولا في مقاصده وقيمه ، فمن توَّهم فيه اضطرابًا فالاضطراب في عقله هو ، وفى فهمه هو لا يتعداه إلى كتاب الله ، ولا إلى المؤمنين به.
والآية التى وصفوا تركيبها بأنه أدى إلى اضطراب المعنى المؤدى إلى الكفر ، أجلى من الشمس في رائعة النهار ومرجع الضمائر الثلاثة ، التى اتخذوا منها منشأً لهذه
الشبهة محددة ـ عقلًا وشرعًا ـ دون أى التواء.
فالضمير فى"وتسبحوه"عائد على الله قطعًا دون أدنى شك. لأن التسبيح عبادة ، ولم يؤذن الله لعباده أن يعبدوا أحدًا غيره:
(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) (2) .
(اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) (3) .
(يعبدوننى لا يشركون بى شيئًا ) (4) .
أما مرجع الضمير فى"وتعزروه"فهو الرسول (دون خلط أو تشويش.
وأما الضمير فى"وتوقروه"فلا مانع لا عقلًا ، ولا شرعًا أن يكون عائدًا على الله ، لأن توقير الله هو إكباره وتعظيمه ، وقد قال نوح لقومه موبخًا لهم (ما لكم لا ترجون لله وقارًا وقد خلقكم أطوارًا ) (5) .
ويجوز أن يكون عائدًا على الرسول ، وتوقيره هو احترامه وإنزاله منزلته من التكريم والطاعة.
هذا هو بيان ما توهموه من لبس ، دون الرجوع إلى ما قاله النحاة أو المفسرون فالمسألة لا تحتاج إلى أكثر مما أوجزناه.
والخلاصة:
القرآن خطاب للعقلاء الأذكياء ، وليس خطابًا للمتغابين أو الأغبياء ، وفى الإنسان حاسة كثيرًا ما يعوِّل عليها القرآن في خطابه ، تستجلى خفايا معانيه ، وتدرك روائع إيماءاته ودقائق أسراره.
تلك الحاسة هى الخصائص العقلية ، والملكات الذهنية أو الذوقية المثقفة.
فمثلًا قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ) (6) .
ترى الخطاب فيها واحدًا"طلقتم ـ تعضلوهن"والنظرة العجلى تحسب أن المخاطب في الموضعين صنف واحد من الرجال لكن العقل ـ بمعونة الشرع ـ سرعان ما يفرق بين الذين خوطبوا بـ"طلقتم"والذين خوطبوا بـ"تعضلوهن"فالمخاطب الأول هم الأزواج الذين يطلقون زوجاتهم ، والمخاطب الثانى هم أولياء أمور المطلقات ، يقول لهم القرآن إذا أراد الزوج المطلق طلاقًا رجعيًا في العدة أو بعد العدة أن يعيد زوجته إليه بالمراجعة أو العقد الجديد وكانت الزوجة راغبة في ذلك ، فعلى أولياء أمرها ألا يقفوا في طريقها.
فالذى فرَّق بين مرجعى الضميرين ـ هنا ـ العقل ، بمعونة الشرع ، وهذه الآية شبيهة بالآية التى أثيرت حولها الشبهات ، التى فرغنا من الرد عليها. ولو كان نظر مثيرى هذه الشبهات وقع على آية البقرة هذه ، لقالوا إن فيها تركيبًا أدى إلى اضطراب المعنى ، ولا وجود لاضطراب إلا في أوهامهم.
منشأ هذه الشبهة:
هو آيتان من سورة واحدة.
إحداهما قوله تعالى: (إنا اعتدنا للكافرين سلاسلًا وأغلالًا وسعيرًا) (1) .
والثانية: (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا) (2) .
وشاهدهم في الآية الأولى كلمة"سلاسلا"ذكروها ثم قالوا: فلماذا قال"سلاسلا"بالتنوين مع أنها لا تُنَوَّنُ لامتناعها عن الصرف ؟