ليست الحرب! إنما هو الابتعاد عن الدين! هو فصل الأخلاق عن معينها الأصلي الذي لا معين سواه!
لقد خُدع الناس في الغرب خديعة ماكرة حين ظنوا أنهم يستطيعون أن يظلوا بعيدًا عن الدين، ثم يظلوا ناجحين، ويظلوا على خلق قويم!
إنها مرحلة من مراحل"التطور".. لا تثبت! كيف يثبت الناس على المنزلق؟!
لقد بدأ الفساد بالسياسة. ثم شئون الجنس. ثم بقية"الأخلاق".
ومظاهر القوة والتماسك والصعود والتقدم التي تزيغ أبصار الناس في الشرق وفي الغرب، فيحسبون أنهم يستطيعون أن يبتعدوا عن قانون الله في أي شيء ثم يظلوا ناجحين.. هذه المظاهر خداعة ماكرة! ولنسأل كنيدي.. ولنسأل خروشوف!
إنهما يخشيان نتيجة الانحلال الحالي على مستقبل أمريكا وروسيا! وهما ليسا طفلين صغيرين.. وليسا هازلين.. إنما هما جادان أشد الجد.. يبصران ما لا يبصره هنا الكتاب المزيفون.. التقدميون التطوريون.
إن الغرب يملك قوة حقيقية جبارة وهائلة.. لأنه ما زال يملك رصيدًا من"الأخلاق"التي كانت في أصلها مستمدة من الدين.. ولكنه - حين فصلها عن معين الدين - بدأ يهبط.. في كل مجال. ووصل الهبوط إلى الحد المنذر بالخطر.. الذي أطلق الصيحة على لسان كنيدي وخروشوف.
ولن ينهار الغرب غدًا.. في أيام أو سنوات!
لا تقاس أعمار الأمم بالأيام والسنوات! وإنما تقاس بالأجيال!
ولكن يتضح الخط الصاعد والخط الهابط من خلال الأجيال!
وشهادة القرن العشرين تقدم لنا الجواب! إنها تقول في أوضح صورة: هذا الجيل في طريقه للانحدار!
كلا.. لا نظافة بلا دين!! إنما هي مرحلة من مراحل الانزلاق.. لم تصل بعد إلى القذارة الكاملة، لأن الأمم تنزلق في بطء شديد.. في أجيال.. وقد بدأ الغرب في الهبوط على المنزلق.. وشهد بذلك الناس هناك!
أما نحن.. فلسنا مسلمين!
كل دعوى بأننا مسلمون.. باطلة!
مسلمون بأسمائنا؟! مسلمون بسكنانا في الأرض التي"كان"يسكنها المسلمون؟!
أين نحن من الإسلام؟! ماذا فينا يحكمه الإسلام؟!
الإسلام لا يحكم واقع حياتنا كله.. ولا سلوكنا الفردي.. فكيف نكون مسلمين؟!
ولقد كتبت كتابا كاملا سميته"هل نحن مسلمون؟"بينت فيه كيف بعدنا عن الإسلام وجافيناه. وما أحتاج أن أعيده هنا في هذا الكتاب!
ولكني فقط أقول هذه البديهية التي يستطيع أن يراجعها كل إنسان في نفسه: ماذا فينا يحكمه الإسلام؟!
إن تلك البقية الباقية من العقيدة الإسلامية في صورة"عبادات". في صورة صوم وصلاة ومسابح، و"حج مبرور".. كلا! ليست إسلاما!
"لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" [149] ."فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [150] .
الإسلام هو أن نكون مسلمين في كل لحظة وكل عمل. كل شئون المجتمع. كل شئون الحياة. كل التعامل الفردي. كل السلوك الشخصي.. وإلا فلسنا بمسلمين.
ونحن ضعاف متخلفون.. كذابون منافقون.. مخادعون غشاشون.. لأننا غير مسلمين.
ويوم كنا مسلمين.. لم يكن شيء من ذلك كله في واقعنا ولا في أخلاقنا!
ولم تكن"الأخلاق"يومئذ وعظا باسم الدين! إنما كانت تربية كاملة في ظل الدين. تربية ينشأ عليها الطفل منذ مولده، ويجد قدوتها في والديه، ورصيدها الواقعي في المجتمع.
ولكننا انحرفنا عن الإسلام في المدى الطويل..!
وما بي هنا أن أدافع عن الإسلام أو أدافع عن الغرب! إن حربًا واحدة أو حربين متلاحقتين أفسدتا من المجتمع الغربي ما أفسدتاه في كل مجال.. حتى الأخلاق الفردية التي كان يفاخر بها الغرب! والعالم الإسلامي قد لاقى صنوفا من الويلات: اليهود والتتار والصليبيين والمستعمرين والمبشرين والمستشرقين، وتلاميذ المبشرين والمستشرقين. والحكام الطغاة من الداخل، والأعداء من الخارج.. وظل متماسكا ألف سنة.. حتى أخذ في الانهيار بعد كل هذه الويلات!
والموجود عندنا اليوم على أي حال ليس دينا بلا نظافة.. وإنما هو لا دين! فقد انحرفنا عن كل مفاهيم الدين، وكل مقومات الدين!
ومع ذلك.. فهناك فرق رئيسي بين انحرافنا وانحراف الغرب!
[148] راجع الهامشة ص 178 من هذا الكتاب:"يقصد الحضارة الإسلامية.. الخ"
[149] سورة البقرة [ 177 ]
[150] سورة النساء [ 65 ]
[الكاتب: محمد قطب]