قال الله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ، وللرجال عليهن درجة)
قررت الآية أن لها من الحقوق قبل الرجل مثلما عليها للرجل ، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع بعض ما للمرأة من حقوق على الرجل ، وما له عليها ، فقال:
(ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)
وفي حديث آخر عندما سُئل: ما حق زوجة أحدنا؟ ، قال: (أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ، ولا تقبح ، ولا تهجر إلا في البيت) .
فالرجل والمرأة طرفان ، يتبادلان الحقوق والواجبات في شركة الحياة الزوجية ، ولا تعني الآية التماثل الحسي العيني بين حقوق الرجل والمرأة ، إنما هو تماثل التكافؤ في الحق بينهما ، فإن حقوقها لا تماثل عين حقوقه ، وحقوقه لا تماثل عين حقوقها.
فعن ابن عباس ، قال: (إني لأحب أن أتزين للمرأة ، كما أحب أن تتزين لي المرأة ، لأن الله يقول:(ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) ) .
فهذا تطبيق دقيق لأوامر الله من السلف حتى في مثل هذه الأمور.
ولا شك أن الزينة التي يتزين بها الرجل غير الزينة التي تتزين بها المرأة ، ولكنهما يتماثلان فيما وراء الشكل والصور من أهداف ونتائج.
وقال بعض أهل العلم: التماثل هاهنا في تأدية كل واحد منهما ما عليه من الحق لصاحبه بالمعروف ، ولا يماطله به ، ولا يظهر الكراهة ، بل ببشر وطلاقة ، ولا يتبعه أذى ومنة: (وعاشروهن بالمعروف) وهذا من المعروف.
وقوله تعالى: (وللرجال عليهن درجة) : في هذا تقرير لمبدأ زيادة حق الرجل على حق المرأة ، وهي زيادة اقتضاها العدل ، وفرضتها طبيعة الأشياء ، وأيدها العقل والمنطق ، وقد بين الله هذه الدرجة وسببها في قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) .
والأسرة والبيت منظمة اجتماعية ، والحياة الزوجية شركة في هذه الحياة ، فلابد أن يكون لها رئيس ، وطرفا تلك الشركة هما: الزوج والزوجة ، فلابد أن يختار الأنسب والأكفأ منهما لرئاسة وإدارة تلك الشركة ، ولم يترك الاختيار لهما أو لغيرهما من بني البشر ، تحكمه العواطف ، وتسيره المصالح والأهواء ، بل تولى الله سبحانه وتعالى هذا الاختيار ، وبين سبب هذا الاختيار قال تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) .
فالرياسة في الأسرة للرجل بأمر الله ، وذلك مقتضى العقل وطبيعة الأشياء ، فالرجل مقدم على المرأة في العقل والدين.
وهو أقدر منها على معالجة الأمور ، والتحكم بالعواطف ، والنظر إلى الأشياء بمنظار الواقع والمنطق والعقل ، كما أنه أبو الأولاد ، إليه ينتسبون ، وهو المسئول عن نفقتهم ، ورعاية سائر شئونهم في الخارج ، وهو صاحب المسكن ، وعليه إعداده ، وحمايته ونفقته.
فرياسته للأسرة إذًا أمر طبيعي لا يحتمل الجدل والمعارضة ، وليس في ذلك ظلم للمرأة ، أو جور على حق من حقوقها ، ورياسة الرجل في الحقيقة إن هي إلا امتياز نشأ للرجل بمقابل التبعات الكثيرة ، والاختصاصات الواسعة المسندة إليه ، وليس فيها ما يعني إلغاء إرادة الزوجة ، ولا إهدار شخصيتها ، فهي رياسة المسئوليات لا التحكم الذي يجور على حقوق العدل ، والمساواة ، والشورى.
وما برح الإسلام ينبه الرجال إلى هذه الحقيقة ، لرياستهم للأسرة والبيت ويحثهم على تطبيقها ، وأخذ أنفسهم بها ، والتقيد بأوامر الشريعة ونواهيها في المعاشرة بين الزوجين بالمعروف في حالة الحب والكره ، والرضا والسخط ، قال الله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف ، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة ، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر) .
والفرك ضد الحب بين الزوجين ، فالحديث بمعنى الآية ، والقاعدة الشرعية في نظام المنزل التزام كل من الزوجين العمل بإرشاد الشرع ، ومنع الضرر والضرار بينهما ، وعدم تكليف الآخر ما ليس في وسعه.
فالشرع ينبه الزوج إلى طبيعة رياسته في البيت ، ويشعر الزوجين بما يجب أن تكون عليه العلاقة بينهما من حب وتآلف وتعاطف وتراحم ، ليتحقق المعنى السامي للزواج: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة) .
• تمهيد *
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين.. أما بعد
اخوتي الأعزاء: لقد كلفني هذا البحث وقتًا لا يستهان به ، وكلي رجاء أن ينال حظ القراءة منكم ، حتى يتم لي مناي المتمثل في تعميم الفائدة ، وعند الله كرم الأجر ، وجزيل الثواب
• حقائق *
الحق أن هذه المرأة عانت معاناة كثيرة ، بل كانت ضحية كل نظام ، وحسرة كل زمان ، صفحات الحرمان ، ومنابع الأحزان ، ظلمت ظلمًا ، وهضمت هضمًا ، لم تشهد البشرية مثله أبدًا
• صفحات من العار *