القسم الثاني: نصوص تنفي الشفاعة بإطلاق، كالآيات التي استدل بها من أنكر الشفاعة .
القسم الثالث: نصوص تنفي انتفاع الكافرين بالشفاعة، كقوله تعالى: { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } (المدثر: 48)
القسم الرابع: نصوص تثبتها بقيود وتشترط لها شروطا، كقوله تعالى: { لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } (مريم: 87 ) ، وقوله: { يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا } ( طه: 109) وقوله: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } (سبأ: 23) وقوله: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون } (الأنبياء:28) ، ومجمل هذه الشروط التي تدل عليها الآيات السابقة هي: إيمان الشافع والمشفوع له، ورضا الله عنهما، وإذنه بالشفاعة .
ولا شك أن مسلك أهل العلم هو الجمع بين تلك الآيات وعدم اجتزائها أو الاستدلال ببعضها دون بعض، وعليه فالآيات التي تثبت أن الشفاعة لله جميعا لا إشكال فيها إذ مرد الأمر كله لله من قبل ومن بعد.
وأما الآيات التي تنفي الشفاعة بإطلاق فهي من المطلق المقيَّد، وتقييدها يكون بالآيات التي تثبتها بشروط، وتبقى الآيات التي تنفي انتفاع الكافرين بالشفاعة موافقة لعموم نفي الشفاعة، وهذا لا إشكال فيه، وبه تجتمع الآيات ولا تفترق وتأتلف ولا تختلف، وهذا الجمع بين الآيات هو ما قرره العلماء ، يقول العلامة ابن الوزير اليماني في الروض الباسم:"قوله تعالى: { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلّة ولا شفاعة } (البقرة:254) , فأطلق نفي الخلّة والشّفاعة في هذه الآية عن كلّ أحد, ثمّ قيّده في قوله تعالى: { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوٌ إلا المتّقين } (الزخرف:67) , وقال تعالى: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون } ( الأنبياء/28) , فأثبت الخلّة والشّفاعة لمن اتّقى, ولمن ارتضى بعد أن نفاهما مطلقًا, وكذلك ما ورد في خروج أهل الإسلام من النّار من صحيح الأخبار"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية جوابا على من أنكر الشفاعة لأهل الكبائر بناء على الآيات السالفة:"وجواب أهل السنة أن هذا يراد به .. أنها لا تنفع المشركين كما قال تعالى في نعتهم: { ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين * فما تنفعهم شفاعة الشافعين } فهؤلاء نفي عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارا". ويقول العلامة الشنقيطي في أضواء البيان في تفسير قوله تعالى: { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } (البقرة:48) قال:" { ولا يقبل منها شفاعة } ظاهر هذه الآية عدم قبول الشفاعة مطلقا يوم القيامة، ولكنه بيّن في مواضع أخر أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار، والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السموات والأرض . أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع".
واحتج الخوارج والمعتزلة أيضا على إنكار الشفاعة بأن مرتكبي الكبائر كفار مخلدون في نار جهنم، لا يخرجهم الله من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا بغيرها .
والجواب عن هذه المسألة - التي تعدُّ من أقدم مسائل الخلاف بينهم وبين أهل السنة - قد سبق في بحث تحت محور العقيدة بعنوان:"شبهات من كفّر أصحاب الكبائر".
وبهذا نكون قد أوضحنا بالدليل والبرهان، أن الشفاعة ثابتة لعصاة الموحدين، وأنه ليس مع من أنكرها دليل عقلي أو نقلي صحيح.
ومما يجدر التنبيه عليه في هذا المقام أن المسلم وإن أثبت الشفاعة في أهل الكبائر وآمن بها، فلا ينبغي أن يكون إيمانه بالشفاعة سببا في تهاونه في ارتكاب المعاصي والآثام، فإن يوما واحدا في نار جهنم ينبغي للعاقل أن يعمل له من العمل الصالح ما ينجيه منه، وأن يبتعد عما يقربه إليه والله أعلم.
بقلم د. جمعة بن علي الخولي
"...حدث في العام الخامس من الهجرة أن مر المسلمون بظروف قاسية عندما تجمعت أكبر قوة معادية للمسلمين في ذلك الوقت للقضاء عليهم داخل المدينة، وأحاطت جيوش الأحزاب بالمدينة في عشرة آلاف مقاتل..."
بالنسبة لمعاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لبني قريظة. لا نريد أن نتعجل الحكم ونقول إنه عليه الصلاة والسلام عالج الأمر بالعلاج الوحيد الذي لا ينفع غيره، أو حل عقدته بالسلاح الذي يناسبه.. لا نريد أن نتعجل الحكم بذلك قبل أن نقف على حيثياته وظروفه.. معروف أنه بمجرد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة عقد بينه وبين اليهود الموجودين بها معاهدة رائدة بمثابة أقدم دستور مسجل في العالم [1] .
كان من بنود هذه المعاهدة: أ- التزام كل من المسلمين واليهود بالمعايشة السلمية فيما بينهما وعدم اعتداء أي فريق منهما على الآخر في الداخل [2] .