فهرس الكتاب

الصفحة 4270 من 4557

وقد تكثر منها الأعمال الصالحات فتربو على كثير من الرجال في عملها الصالح وفي تقواها لله ـ عز وجل ـ وفي منزلتها في الآخرة ، وقد تكون لها عناية في بعض الأمور ، فتضبط ضبطًا كثيرًا أكثر من ضبط بعض الرجال في كثير من المسائل التي تعنى بها وتجتهد في حفظها وضبطها ، فتكون مرجعًا في التاريخ الإسلامي وفي أمور كثيرة ، وهذا وأضح لمن تأمل أحوال النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد ذلك، وبهذا يعلم أن هذا النقص لا يمنع من الاعتماد عليها في الرواية ، وهكذا في الشهادة إذا انجبرت بامرأة أخرى، ولا يمنع أيضًا تقواها لله وكونها من خيرة إماء الله ، إذا استقامت في دينها ، فلا ينبغي للمؤمن أن يرميها بالنقص في كل شيء ، وضعف الدين في كل شيء ، وإنما هو ضعف خاص في دينها ، وضعف في عقلها فيما يتعلق بضبط الشهادة ونحو ذلك . فينبغي إنصافها وحمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم على خير المحامل وأحسنه . والله تعالى أعلم .

سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله

تعرَّض الإسلام ، ولا يزال ، لحملات عدائية شتى ، منها موقفه من المرأة ، ولا سيما من ناحية عقلها ، حيث يُتَّهم الإسلام بأنه ينتقص من عقل المرأة وقدراتها ، وانه يحط منها بالمقارنة مع الرجال . هذا في الوقت الذي اثبت فيه العلم عدم وجود أي اختلاف في قدرات التفكير عند المرأة والرجل . كما أن الواقع يشهد بغير ذلك ، حيث وصلت المرأة إلى أعلى المراتب والمناصب ، وحققت إنجازات وإبداعات فكرية عديدة لا سيما في العالم الغربي . مما يعني ببساطة ، كما يزعمون ، أن الإسلام يخالف العلم والواقع المحسوس ، وان أفكاره تتعارض وتتناقض مع هذه المعطيات المحسوسة المشهودة على ارض الواقع .

غير أن هناك من يقول بان المرأة قد أتيحت لها فرصة عظيمة من حيث حرية العمل وإبراز إمكاناتها ، ولكنها لم تُثبت أنها على قدم وساق مع الرجل . فالرجل هو الذي فسح لها هذا المجال من الحرية ، ومع ذلك لم تصل إلى كثير من المناصب العالية التي لا يزال يتربع عليها الرجل . كما انه هو الذي أتى بالأفكار العظيمة والمبادئ والنظريات والاختراعات وغير ذلك مما له شان يذكر .

أساس هذه الاتهامات هو حديث صحيح يُعرف بحديث ناقصات عقل . وسوف نستعرض في هذه المقالة نص الحديث والقراءات السريعة الخاطئة له ، ونبين أن وصف النساء بأنهن ناقصات عقل لا يحط من قدر عقولهن ولا من مكانتهن ، لا سيما إذا تبين لنا أن هذا الوصف ينطبق أيضا على الرجال . كما أن أية امرأة مسلمة سوف تفخر بكونها كذلك إذا ما جرت المقارنة بينها وبين كثير من العظماء والزعماء والعلماء من الكفار الذين نفى الله عنهم العقل بالكلية ، وان عقلوهم ومكانتهم لا تغني عنهم من الله شيئا إذ لم يتوصلوا بها إلى أن ينالوا رضوان الله وجنته . بل يمكن القول أن أية امرأة مسلمة هي اعقل من اينشتاين الذي يضرب بذكائه المثل ، ولكنه لم يوصله إلى الدخول في الإسلام ولا نيل الجنة .

حديث ناقصات عقل

هذا الحديث رواه الشيخان (البخاري ومسلم) وأصحاب السنن ، وهو صحيح الإسناد والمتن . وسوف نكتفي برواية مسلم ، فقد روى رحمه الله في صحيحه في باب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: { يا مَعْشرَ النساء تَصَدَّقْنَ وأكْثِرْن الاستغفار ، فإني رأيُتكُنَّ أكثر أهل النار . فقالت امرأة منهن جَزْلة: وما لنا يا رسول الله أكثرُ أهل النار؟ قال: تُكْثِرْنَ اللَّعن ، وتَكْفُرْنَ العشير ، وما رأيت من ناقصاتِ عقلٍ ودين أغلبَ لذي لبٍّ مِنْكُن . قالت يا رسول الله وما نقصانُ العقل والدين؟ قال: أما نُقصانُ العقل فشهادة امرأتين تعْدِلُ شهادةَ رَجُل ، فهذا نقصان العقل ، وتَمكثُ الليالي ما تُصلي ، وتُفطر في رمضان ، فهذا نقصان الدين } . ومعنى الجَزْلة أي ذات العقل والرأي والوقار ، وتَكْفُرْنَ العشير أي تُنكرن حق الزوج .

ولا يمكن فهم هذا الحديث بمعزل عن آية الدَّيْن التي تتضمن نصاب الشهادة ، وذلك في قوله تعالى: { واستَشْهدوا شهيدين من رِجالِكم ، فإن لم يكونا رَجُلَيْن فرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن تَرضَوْن من الشُّهداء ، أنْ تَضِلَّ إحداهما فَتُذَكِّرَ إحداهما الأخرى } البقرة 282 . فالعلاقة بين هذه الآية والحديث وثيقة الصلة ، بل يكاد الحديث يُحيلنا إلى الآية صراحة .

الفهم الخاطئ للحديث والمناقض للواقع

من الواضح أن الذين يتهمون الإسلام بأنه ينتقص من عقل المرأة قد بنوا أفكارهم على الحديث السابق . فقد فهموا منه أن النساء ناقصات عقل ، أي أن قدرات النساء على التفكير هي اقل من قدرات الرجال . وهذا جريًا على المعنى الدارج للعقل من انه عضو التفكير ، ولسان حالهم يقول بان جهاز التفكير عند المرأة اضعف من جهاز التفكير عند الرجل ، وان هذا ينطبق على أية امرأة وعلى أي رجل في الدنيا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت