فهرس الكتاب

الصفحة 3070 من 4557

هناك شبهة ادعاها بعض غلاة المستشرقين من قديم ، وأقام بناءها على وهم فاسد ، وخلاصة هذه الشبهة: أن الحديث بقي مائتي سنة غير مكتوب ، ثم بعد هذه المدة الطويلة قرر المحدثون جمع الحديث ، وصاروا يأخذون عمن سمعوا الأحاديث ، فصار هؤلاء يقول الواحد منهم: سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبما أن الفتنة أدت إلى ظهور الانقسامات والفرق السياسية ، فقد قامت بعض الفرق بوضع أحاديث مزورة حتى تثبت أنها على الحق ، وقد قام علماء السنة بدراسة أقسام الحديث ونوعوه إلى أقسام كثيرة جدًا ، وعلى هذا يصعب الحكم بأن هذا الحديث صحيح ، أو هذا الحديث موضوع .

ويمكن إيجاز الرد هذه الشبهة من وجوه:

1-أن تدوين الحديث قد بدأ منذ العهد الأول في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وشمل قسمًا كبيرًا من الحديث ، وما يجده المطالع للكتب المؤلفة في رواة الحديث من نصوص تاريخية مبثوثة في تراجم هؤلاء الرواة ، تثبت كتابتهم للحديث بصورة واسعة جدًا ، تدل على انتشار التدوين وكثرته البالغة .

2 -أن تصنيف الحديث على الأبواب في المصنفات والجوامع مرحلة متطورة متقدمة جدًا في كتابة الحديث ، وقد تم ذلك قبل سنة 200 للهجرة بكثير ، فتم في أوائل القرن الثاني ، بين سنة 120 ـ 130 هـ ، بدليل الواقع الذي بين لنا ذلك ، فهناك جملة من هذه الكتب مات مصنفوها في منتصف المائة الثانية ، مثل جامع معمر بن راشد (154) ، وجامع سفيان الثوري (161) ، وهشام بن حسان (148) ، وابن جريج (150) ، وغيرها كثير .

3 -أن علماء الحديث وضعوا شروطًا لقبول الحديث ، تكفل نقله عبر الأجيال بأمانة وضبط ، حتى يُؤدَّى كما سُمِع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهناك شروط اشترطوها في الراوي تضمن فيه غاية الصدق والعدالة والأمانة ،مع الإدراك التام لتصرفاته وتحمل المسئولية ، كما أنها تضمن فيه قوة الحفظ والضبط بصدره أو بكتابه أو بهما معًا ، مما يمكنه من استحضار الحديث وأدائه كما سمعه ، ويتضح ذلك من الشروط التي اشترطها المحدثون للصحيح والحسن والتي تكفل ثقة الرواة ، ثم سلامة تناقل الحديث بين حلقات الإسناد ، وسلامته من القوادح الظاهرة والخفية ، ودقة تطبيق المحدثين لهذه الشروط والقواعد في الحكم على الحديث بالضعف لمجرد فقد دليل على صحته ، من غير أن ينتظروا قيام دليل مضاد له .

4 -أن علماء الحديث لم يكتفوا بهذا ، بل وضعوا شروطًا في الرواية المكتوبة لم يتنبه لها أولئك المتطفلون ، فقد اشترط المحدثون في الرواية المكتوبة شروط الحديث الصحيح ، ولذلك نجد على مخطوطات الحديث تسلسل سند الكتاب من راوٍ إلى آخر حتى يبلغ مؤلفه ، ونجد عليها إثبات السماعات ، وخط المؤلف أو الشيخ المسمَع الذي يروي النسخة عن نسخة المؤلف أو عن فرعها ، فكان منهج المحدثين بذلك أقوى وأحكم وأعظم حيطة من أي منهج في تمحيص الروايات والمستندات المكتوبة .

5 -أن البحث عن الإسناد لم ينتظر مائتي سنة كما وقع في كلام الزاعم ، بل فتش الصحابة عن الإسناد منذ العهد الأول حين وقعت الفتنة سنة 35 هجرية لصيانة الحديث من الدس ، وضرب المسلمون للعالم المثل الفريد في التفتيش عن الأسانيد ، حيث رحلوا إلى شتى الآفاق بحثًا عنها واختبارًا لرواة الحديث ، حتى اعتبرت الرحلة شرطًا أساسيًا لتكوين المحدث

6 -أن المحدثين لم يغفلوا عما اقترفه الوضاعون وأهل البدع والمذاهب السياسية من الاختلاق في الحديث ، بل بادروا لمحاربة ذلك باتباع الوسائل العلمية الكافلة لصيانة السنة ، فوضعوا القيود والضوابط لرواية المبتدع وبيان أسباب الوضع وعلامات الحديث الموضوع .

7 -أن هذا التنوع الكثير للحديث ليس بسبب أحواله من حيث القبول أو الرد فقط ، بل إنه يتناول إضافة إلى ذلك أبحاث رواته وأسانيده ومتونه ، وهو دليل على عمق نظر المحدثين ودقة بحثهم ، فإن مما يستدل به على دقة العلم وإحكام أهله له تقاسيمه وتنويعاته ، بل لا يُعد علمًا ما ليس فيه تقسيم أقسام وتنويع أنواع ؟!!.

8 -أن علماء الحديث قد أفردوا لكل نوع من الحديث وعلومه كتبًا تجمع أفراد هذا النوع من أحاديث أو أسانيد أو رجال ، فلا يصلح بعد هذا أن يقول قائل: كيف نعرف هذا الحديث أنه صحيح من بين تلك الأنواع ؟ ونحن نقول له: كذلك وقع التنوع في كل علم وكل فن ، فلو قال إنسان: كيف نحكم على هذا المرض بأنه كذا وأنواع الأمراض تعد بالمئات ؟ ، وكيف نبين هذا المركب الكيمائي من بين المركبات التي تعد بالآلاف ؟ لأحلناه على الخبراء المتخصصين ليأخذ منهم الجواب الشافي والحل المقنع ، فكما يرجع في الطب إلى الأطباء ، وفي الهندسة إلى المهندسين ، وفي الكيمياء إلى علمائها ، والصيدلة إلى أصحابها .... فكذلك يُرْجَع في الحديث إلى علمائه المتخصصين في هذا العلم لأخذ البيان الجلي المدعم بالأدلة القاطعة عن كل حديث نريده ونود معرفة حاله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت