فهرس الكتاب

الصفحة 1371 من 4557

وذلك حتى يصل إلى درجة الكمال، فالله عز وجل لم يكلف عباده ما لا يطيقونه، بل سلك بهم طريقًا وسطًا، فاهتم القرآن أولًا بزرع وتثبيت العقيدة في النفوس، ولم يكلفهم من العبادات في مكة إلا القليل، فالصلاة لم تفرض عليهم إلا قبل الهجرة بقليل، ثم فرض الصيام والزكاة في السنة الثانية من الهجرة، ثم فرض الحج في السنة السادسة من الهجرة.

ولم يحرم القرآن عليهم ما كان يجري في نفوسهم جرى الدم في العروق مرة واحدة، كما في آيات الخمر الذي نشأ الناس عليه، وألفوه، وكان من الصعب عليهم أن يُجابهُوا بالمنع منه منعًا باتًا، فنزل في شأنه أولًا قوله تعالى: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما {البقرة: 219} ، فكان في هذه الآية تهيئة للنفوس لقبول تحريمه، حيث إن العقل يقتضي أن لا يمارس شيئًا إثمه أكبر من نفعه، ثم نزل ثانيًا قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون {النساء: 43} ، فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات وهي أوقات الصلوات، ثم نزل ثالثًا قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (91) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين {المائدة: 90- 92} ، فكان في هذه الآيات المنع من الخمر منعًا باتًا في جميع الأوقات، بعد أن هُيئت النفوس، ثم مرنت على المنع منه في بعض الأوقات، وكذا الربا لم يحرمه القرآن إلا بعد الهجرة أيضًا.

الحكمة الخامسة: تنشيط الهمم لقبول ما نزل من القرآن وتنفيذه:

حيث يتشوق الناس بلهف وشوق إلى نزول الآية، لا سيما عند اشتداد الحاجة إليها كما في آيات الإفك واللعان.

الحكمة السادسة: تيسير حفظه وفهمه:

لقد نزل القرآن الكريم على أمة أمية لا تعرف القراءة والكتابة، سجلها ذاكرة حافظة ليس لها دراية بالكتابة والتدوين حتى تكتب وتدون، ثم تحفظ وتفهم، هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين {الجمعة: 2} ، وقال تعالى: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي {الأعراف: 157} ، فما كان للأمة الأمية أن تحفظ القرآن كله بيسر لو نزل جملة واحدة، وأن تفهم معانيه وتتدبر آياته، فكان نزوله مفرقًا خير عون لها على حفظه في صدورها وفهم آياته، كلما نزلت الآية أو الآيات حفظها الصحابة، وتدبروا بيانها ووقفوا عند أحكامها، واستمر هذا منهجًا للتعليم في حياة التابعين، عن أبي نضرة قال:"كان أبو سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة، وخمس آيات بالعشي، ويخبران جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات". أخرجه ابن عساكر. وعن خالد بن دينار قال:"قال لنا أبو العالية: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن النبي صلى الله عليه وسلم كأن يأخذه من جبريل خمسًا خمسًا". أخرجه اليبهقي. وعن عمر قال:"تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي صلى الله عليه وسلم خمسًا خمسًا". أخرجه البيهقي في شعب الإيمان.

الحكمة السابعة: الدلالة القاطعة على أن القرآن الكريم تنزيل من حكيم حميد:

إن هذا القرآن الذي نزل منجمًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من عشرين تنزل الآية أو الآيات على فترات من الزمن يقرؤه الإنسان ويتلو سُوَرَهُ فيجده مُحكم النسج، مترابط المعاني، رصين الأسلوب، متناسق الآيات والسور، كأنه عقد فريد نظمت حباته بما لم يعهد له مثيل في كلام البشر: كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير {هود: 1} ، ولو كان هذا القرآن من كلام البشر قيل في مناسبات متعددة، ووقائع متتالية، وأحداث متعاقبة، لوقع فيه التفكك والانفصام، واستعصى أن يكون بينه التوافق والانسجام: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا {النساء: 82} . هذا والله أعلم.

ما الحكمة في نزول القرآن منجما في ثلاث وعشرين سنة؟ ... ... لو نزل القرآن دفعة واحدة ولم ينزل في 23 سنة لقالوا"لماذا نزل القرآن دفعة واحدة ولم ينزل على مكث؟"

الأساس في مثل هذه المسائل هو التسليم والإيمان بأن ما جاء به الله تعالى هو الحق. وإلا انفتح الباب لأسئلة في جميع المسائل: لماذا كان مجموع ركعات صلاة الظهر عشر ركعات؟ [1] ولماذا كانت صلاة الجمعة في يوم الجمعة؟ ولماذا كانت نسبة الزكاة من المال نسبة 1/40 ولم تكن 1/41 ؟..الخ. أسئلة لا تنتهي ولا تنقطع. لذا كان علينا أن ندرك بأن هذه الأمور سر من أسرار العبودية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت